كتب ألبير خوري

بين حين وآخر، يحب رئيس حزب “القوات اللبنانية” أن يجمع في مواقفه وحواراته الجدية والسخرية معاً. منها على سبيل المثال، مطالبته الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله الاستعانة بأحد “شياطينه” لإخراج لبنان من أزمته المالية الضاغطة التي يتخبط فيها، اعتباراً من أن الاستعانة بتوصيات صندوق النقد الدولي، هو إدخال لبنان في صندوق أميركا “الشيطان الأكبر”!..
سخرية مرّة من نوع “الكوميديا السوداء”، سبقها ما أفصح عنه الدكتور جعجع بعد لقائه الاخير مع رئيس الجمهورية ميشال عون في بعبدا، عندما سُئل عما دار اثناء اللقاء، وقوله “في كل مرة أطرح على فخامته موضوعاً يفاجئني بالرد “روح بوس تيريز”!
واضح أن سخرية الدكتور ججع تخفي خلفها دلالات على أن البلاد تزداد تأزماً بين يوم وآخر، وأن “الثرثرات” التي يكررها السياسيون والمصرفيون وخبراء النقد والاقتصاد، أكان في حوارات تلفزيونية مطوّلة، أم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المنوعة “واتس اب”، “تويتر”، أو “فايسبوك”، لن تطعم جائعاً، ولن تعيد له حفنة دولارات أو ليرات أودعها في المصارف، فحجبتها عنه وتحوّل الى متسوّل على أبوابها.
واقع الأمر، أن اللبناني سئم التحليلات الأكاديمية، خصوصاً وأنه غير خبير بلغة وأرقام الاقتصاد والنقد، وملّ في الوقت نفسه من تبادل الاتهامات بين السياسيين والبنك المركزي والمصارف الخاصة، طالما أن أياً من الحلول المطروحة منذ حوالى شهرين تتكرر على الشاشات، وليس في الافق ما يطمئنه على يومه وغده. “الكل بريء وليس من متهم واحد، وأن وجد يبقى اسمه طي الكتمان وخارج القضبان.
السخرية الأكثر مرارة وسوداوية، أن أياً من المسؤولين بدءاً من الرئيس عون، الى دولة الرئيس بري ونواب الأمة الأشاوش، ودولة رئيس الحكومة ووزراؤه الأكارم لا يملكون حتى اليوم، وعلى بعد أيام قليلة من موعد دفع لبنان مستحقاته من اليوروبوند، أي تصوّر أو خطة للخروج من هذه الأزمة الضاغطة، ويدورون في فراغ إعادة الجدولة أو الهيكلة أو دفع الديون المستحقة في موعدها، وفي الحالين، تواجه البلاد شبح الإفلاس والمزيد من الركود الاقتصادي وارتفاع سعر الدولار، والمواطنين يرزحون تحت شبح الجوع والبطالة والهجرة لمن يستطيع الى ذلك سبيلا.
باختصار، الوضع متأزم ويزداد تأزماً حتى أجل غير معروف، طالما أن السباق للدفع أو لتأجيل الديون، لن يخرج البلد من نفق مالي نقدي اقتصادي طويل وصعب.. وطالما ايضاً أن الحكومة والقيادات والكتل السياسية مجتمعة تتغذى من مآسي الناس وأوجاعهم في تأمين لقمة العيش واسترداد أموالهم وحقوقهم وأشغالهم..
مؤسف حقاً الحالة التي قطعها لبنان عن درب الاقتصاد، الى عموم السياسيين، يصرون على الدوران في حلقة مفرغة، وفي مرحلة لا مجال فيها لترف المناكفات السياسية ولا لأي ترف آخر. كلهم يرفعون في العلن لواء الحفاظ على المال العام، ومال المودعين في المصارف، لكنهم في الوقت نفسه وفي الجلسات المغلقة، يتفقون على عدم المساس بمصالحهم ومواقعهم، حتى لو تطلبت مواقعهم حجز لبنان في صندوق النقد الدولي واللبنانيين في سجون الفقر والعوز والهجرة.!

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com