دوري شمعون بثوب هنيبعل... «زغرطي» يا فــينيقيا!

كتب بول مخلوف في “الأخبار”:

هناك مَن خرج عن طوره في هذه البلاد. نقول في اللغة الدارجة عمّن فقد عقاله بأنه «تجاوز الخط وذهب بعيداً».

«الحركة الفينيقية» تعرّف عن نفسها بأنها ثقافية وسياسية، يبلغ عدد أعضائها العشرات في أكثر تقدير، قد تجاوزت الخط وذهبت بعيداً. في بيانٍ لها على فايسبوك، أعلنت الحركة أخيراً أنها في صدد العمل على إطلاق… جواز سفر فينيقيّ!

نعم عزيزي القارئ، ما تقرأه حقيقيٌّ؛ «في الأزمنة المظلمة، سيكون هناك غناء» يخبرنا بريخت، وفي الأزمنة المظلمة أيضاً، تنتعش النزعات الخوتاء الانعزالية.

على «دروب الأجداد»
بات الفينيقيون إذاً على موعدٍ قريب لنيلهم جواز سفر فينيقيّاً. قد يسأل واحدنا: «كيف ذلك؟ هل من وجودٍ لفينيقيا الآن وهنا؟ أي هل فينيقيا حاضرة وموجودة حتى يُخصَّص لمواطنيها جوازات سفر؟». أسئلة «عقلانية» مماثلة لا تلتفت إليها الحركة، ولا تأبه أصلاً لوجودها. ثمة استحالة للقبض على جوابٍ «حقيقيّ» مثلما يستحيل القبض على حقيقةٍ غائبة اسمها «الوطن الفينيقي».

فينيقيا «العدم» أقوى بكثير من فينيقيا «الوجود». هذا هو المعنى الحقيقي للأسطورة. وحتى في الأساطير، نقرأ عن طائر الفينيق بأنه وُلد من الرماد الذي حرق جسده، لكننا لا ندري ماذا فعل بعدما نفض الغبار عن نفسه وعاد من جديد. نعلم أنّ طائر الفينيق أتى من الرماد، أي من العدم. أما كلّ ما يخص وجوده أو يتعلّق بطيرانه، فإننا لا نعلم عنه شيئاً. لكن فينيقيا فكرة… والفكرة لا تموت، هكذا يقولون. فينيقيا «حضارة خالدة»، يعني أنها حقيقة ثابتة متأصلة، لا تؤمن بالجغرافيا إنما بالأخلاق، وبمن يسير على «دروب الأجداد».

وهكذا، يبدو الفينيقيّ مثل فينيقيا: كائن هلاميّ، نسخة مملّة عن أجداده، وغير مرئيّ إلا في المخيّلة. هو بحسب «الحركة الفينيقية»: «ليس ابن وطن فقط، بل ابن حضارة. مكتشف العالم، مالك البحر، ورمز الحرية. لم يعرف القيود يوماً ولا احتاج إلى تأشيرة كي يعبر البحار والأمم».

«داوِخ العالم»
تخطئ «الحركة الفينيقية» في القواعد العربية، معليش، إنّ غلطة الفينيقيّ بألف. لا تكتمل ملامح الفينيقيّ، أصلاً، من دون خطأ لغوي (عربي) كهذا. إنّ الخطأ هو مولِّد الفينيقيّ أساساً، بدءاً من الأيديولوجيا وصولاً إلى النُطق، مروراً بلسان إذا ابتعد عن الإنشائية عانى من التأتأة.
هكذا هو: يخطئ في الكلام، ويخطئ في التأويل، ويخطئ في التأريخ، ويخطئ في التفكير.

في الأزمنة المظلمة، تنتعش النزعات الخوتاء الانعزالية

إنه مجموعة من الأخطاء المتراصّة، لكنه على أي حال، فخورٌ بنفسه. فالفينيقيّ مثل برج بيزا: ملتوٍ، استثنائيّ، أعوج، «داوِخ العالم» من فرط غرابته، وشامخ رغم أنف الفيزياء والجاذبية. غير أنّ الفرق يكمن في كون برج بيزا حاضراً، أي إنه موجود، فيما الفينيقيّ غائبٌ، بل لا يحضر إلا في غيابه. ذاك أنه لا يمكن أن يحضر لأنه غير مؤهَّل للحضور؛ هو كائن أسطوريّ هشّ، غارق في نوستالجيا من شأنها هزّ الحاضر الذي يجعله يشعر بما يشبه العقم. وهو، في نهاية المطاف، يريد لنفسه مكاناً، فلا عجب أن يعيد تذكيرنا بأمجاد أجداده.

يبقى أنّ برج بيزا جميل لأنه مائل وأعوج، بينما الفينيقيّ المُعوجّ، سمجٌ مفرط في السماجة. ولأنه أعوج، يخال نفسه رشيداً ومستقيماً. هذا مثل الزاهد الذي يقول عنه نيتشه إنه يخفي البهتان وراء زهده. ولو أردنا أن نعطي مثلاً من لحم ودم، بإمكاننا تخيّل دوري كميل دوري شمعون: يعجز عن التفريق بين حرف الألف وبين عمود الكهرباء، لكنه يتحدث بثقةٍ يُحسد عليها عن اليسار العالمي ومؤامراتٍ تُحاك على لبنان.

جنون طافح
على النحو نفسه، فإن «الحركة الفينيقية» تحجب عيوبها، بيد أنها تعلن عن نزعتها الشوفينية كالآتي: «من يحمل هذا الجواز، له الحرية في التنقل بين الأمم، ليكون سفير الأخلاق، والابتكار، والسلام». وتضيف: «سيكون هذا الجواز معترفاً به عالمياً، ويخوّل حامله الدخول إلى كل دول العالم بلا تأشيرة، وهو ليس مجرد وثيقة بل رسالة لحضارة (…) رسالة شعب لم يمت، بل يستيقظ من أعماق الزمن ليقود المستقبل. فينيقيا تنهض من جديد». اضحك عزيزي القارئ. هناك ألف رد فعل آخر، ومن بينها رد فعل كاتب هذه السطور، سَخِرنا جميعاً على المكتوب.

جواز السفر الفينيقي إذاً هو وثبة «وعي». إنهم فينيقيون من دون فينيقيا، لكن بمجرد «وعيهم» على فينيقيتهم، واتحادهم معاً – ليس كما يتّحد عمال العالم لأنهم في مرتبةٍ أعلى من العمّال – فستنهض «فينيقيا من جديد». جواز السفر الفينيقي سيتيح فرصة التعرّف «الذات» إلى «ذاتها». إنه هذا الشيء الملموس الذي يجعل عالماً خيالياً، وطوباوياً، مثل العالم الذي كتبه توماس مور في روايته «يوتوبيا» (1516). جواز السفر الفينيقي دليل التاريخ، صانع أمة. هذا لم يعد ضرباً من الخيال الذي قد ينبثق عنه أدبٌ فرواية، بل صار جنوناً طافحاً، وبوسعنا أن نستشفه في السياسة: عندما نرى أحداً مثل دوري شمعون يخال نفسه هنيبعل.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com