حين يكون جوابُ «كِيْفني معَك؟» كيفَك إنتَ.. مَلّا إنتَ!

كتب عبد الغني طليس في “اللواء”:

يتعيّن أن يكون المواطن اللبناني رابطَ الجأش كالمصلوب، ضابطَ الأعصاب كالأسد الهَرِم، ضيّق الأفق كالليل الأليَل لكي يتحمّل مسؤولاً في دولته « الجديدة» هو وزير الخارجية يوسف رجّي يعلنُ على الشاشة أنّ «سكوت حزب الله عن الرد على خروق إسرائيل واعتداءاتها على الأرض اللبنانية والإنسان اللبناني بعد القرار ١٧٠١ هو كي لا يتحرّك المجتمع الدولي ويضغط على إسرائيل». كيف؟ لا أحد يعلم! بأي مقياس؟ لا أحد يفهم! هكذا بالحرف قالها الوزير، مع شعور بأنه اكتشف ما لم يكتشفه غيره بالقول «كيفني معك؟». لكن لا أحد من الحضور له مصلحة سياسية في مناقشته ودحض فكرته أو على الأقل سؤاله «اشرحلي كيف؟» آثروا جميعاً المرور على جُملة الوزير الاعتباطية بالانتقال إلى موضوع آخَر!

هو وزير الخارجية. وقد اعتدنا على وزير الخارجية في لبنان أن يكون مدركاً حجم خطورة الوضع لا اللبناني فحسب، بل العربي ككل مع إسرائيل، وقادراً على تنسيق عباراته على عبارات الحكومة اللبنانية (لا الحزب الذي رشّحه للوزارة) وعياراتها الدقيقة تحديداً في هذا الموضوع التاريخي والجغرافي والإنساني والوطني في لبنان. غير أن رجّي فتحَ على حسابه في آداب السياسة وديبلوماسية الموقع وقرّر إطلاق آرائه كجواهر سياسية نادرة لم يحدث أن ابتكرها أحد من قبل مع إشادة ذاتية بنفسه عبر «كيفني معك»!

وتعبير «كيفني معك» الذي تقوله العامية اللبنانية من زاوية ما قلّ ودلّ يعني أنك أعطيتَ مَن تختلف معه في شأن معيّن في الحياة، كل ما يطلب أو فوق ما يطلب لإرضائه وينتهي الأمر بـ «كيفني معك؟». والوزير أعطى سائله، ومِن خلفه الجمهور اللبناني المتابع نموذجاً عن شخصية مشحونة بأفكار معيّنة يَعتقدُ بصدقها ونهائيتها و«غيابها» عن عقول الآخَرين، مصدّقاً نفسه، معتزاً بمعلوماته وتحاليله السياسية، والعسكرية قبلها، وكان يجدر به أن يُقفلَ الحوار بـ «اللهمّ اشهد أنني بلّغت»!
فإذا كانت المرحلة الحالية غير الواضحة اللون والمنطق والمعايير تسمح بهذا النوع من أحاديث الوزراء فإنّ هناك حدوداً لها ينبغي أن يحدّدها النظام اللبناني، أو رئيس الوزراء بالممارَسة.

فالوزير رجّي دعا اللبنانيين، وهو يقصد الشيعة الذين «اعتمدوا أربعين عاماً على المقاومة ولم تنجح.. وشِفنا الدمار، أن يعتمدوا سنة واحدة لا أكثر، سنة واحدة على المجتمع الدولي»! وعندما سُئل «وإذا لم يفعل المجتمع الدولي شيئاً ولم تنسحب إسرائيل، شو منعمل»؟.. أُسقِطَ في يده وقال «ساعتها منشوف شو منعمل!»…

شي جميل! شي روعة! فعجيب كيف أن الثقة العارمة التي تحدّثَ بها عن مشروع صبرِ سنةٍ على الدمار والتشرّد فوراً تبخّرَت وانقلبَت رأساً على عقب ضياعاً وارتباكاً وغياباً لأي خطة ممكنة للتحرير. «منشوف شو بدنا نعمل؟» وخلَص!

هل يُعقل أن وزير الخارجية اللبنانية في هذا الظرف الأكثر من أعمى وعصيب، كأنه يسمع باسم إسرائيل وأفعالها البارحة. لا يعرف شيئاً عن «العلاقة» مع إسرائيل، ولم يسمع بالوعود الهوائية للدولة العِبرية المتحلّلة من أي التزام؟ أكثر: يوسف رجّي كان سفيراً للبنان في الأردن، فهل يتجاهل أن إسرائيل اليوم تريد تدمير جدران الدولة الأردنية وكيانها بطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية إليها؟ وهل نظَر بإيجابية إلى موقف الملك عبدالله أمام الرئيس الأميركي ترامب يخبّره عن خطته لإنهاء القضية الفلسطينية عَبر الأردن ومصر؟ أم أن ما يضطر إلى السكوت عنه هناك يتحوّل هنا شجاعةً وأريحيّة على أهل بلده.

ومحاولة الاستقواء بالزخم الأميركي والعربي الذي أُعطي للعهد الجديد، فيتقَدّمُ معاليه الصفوف في رهانات أخفقت مراراً وتكراراً، هي بضاعة مجرّبة. ألا يزال الوزير رجّي يظنّ أن الجيش الإسرائيلي انسحب عام ٢٠٠٠ لتنفيذ القرارات الدولية؟ فالقرارات الدولية عادة توضَع لكي نطالب بها نحن العرب ونتمسك بها لحفظ حقوقنا أمام العالَم .. الذي، بالتجارب المُمِضّة، لا يسمعنا ولا يعير اهتماماً لقضايانا، أما إسرائيل فلا تبالي بها أصلاً ولا فصلاً، وتتصرف كيفياً كأنها لسواها لا لها، إلّا حين تُضطَرّ.. بالهزيمة المباشرة. مشكلةٌ عظيمة أن يصدّقَ لبناني قرار إسرائيل بالانسحاب المتّخذ تحت الضربات القاضية ولا يصدق دماء ودموع وأرواح وتضحيات مئات آلاف اللبنانيين الذين صنعوا نصرهُم بأيديهم، وقد رآهم هو وغيرهً (وكان ضدهم) في كل ما فعلوه من أجل سيادة وحرية واستقلال. كأنما المقاومة المسيحية ضد الفلسطينيين وضد سوريا الأسد كانت مقدّسة، أما مقاومة لبنانيين آخَرين إسرائيلَ فلا حرية فيها ولا سيادة ولا استقلال.

إن الأربعين عاماً التي تحدث عنها الوزير، تناسى عمداً ومع سابق إصرار وترصُّد أن منها عشرين عاماً كانت فيها إسرائيل مكبّلة عن القيام بأي حركة عدوانية تجاه لبنان حين كانت الصواريخ والأسلحة الثقيلة تدخل، على مرأى منها ولا تحرّك ساكناً، وحين كانت الأنفاق تُنشَأ على مقربة من «حدودها» فلا تنبس بكلمة خشيةَ قيام الحرب؟ الحرب التي حصلت فغيّرت الموازين الحالية لكنها لم تُفقدنا الذاكرة المقاوِمة والتحرّرية، ولا شطبت الماضي القريب الذي رسمَ معادلات معينة، احترَمها العدوّ مرغماً، ولا تمكنت من تحقيق حُلم نتنياهو بالوصول السياسي والديني والعسكري والإيديولوجي إلى الليطاني حيث تُختتَم الخارطة اليهودية للعالم العربي!

مؤسف أن «كيفني معك!» مع ديباجتها السياسية، لا جواب عليها سوى «كيفك إنتَ.. مَلّا إنتَ!».

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com