سلام واشنطن – “طالبان”
الناخب الأكبر للرئيس ترامب

كتب ألبير خوري

الخميس التاسع والعشرين من شهر شباط الفائت، يوم سوف يتذكذره الأميركيون والافغان لسنوات طويلة. في هذا اليوم، وقّعت في العاصمة القطرية الدوحة، كل من الولايات المتحدة و”طالبان” أفغانساتان اتفاق نهاية حرب “لم تكن ضرورية أبداً” كما وصفها عدد من المحللين العالميين، أدت الى سقوط 800 ألف قتيل، وتكلفة حوالى ستة مليارات دولار، الى مئات آلاف الجرحى بين الفريقين ودمار شبه كامل لأفغانستان.
والحرب دائماً هي الحرب، كما تريدها واشنطن، في الوقت المناسب، وتنهيها وفقاً لأهدافها ومصالحها. بدأتها يعد أيام من تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك وفي الحادي عشر من أيلول 2009، وبأوامر مباشرة من الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش الابن، أطلقها تحت شعار محاربة الإرهاب اينما وجد، وبكل الوسائل المتوافرة، العسكرية والسياسية والديبلوماسية، رداً على جرح بليغ يستمر في الذاكرة الأميركية، وسوف يستمر إن لم يلحظ اتفاق السلام الشروط الافغانية والاميركية معاً.
وعلى عادته في تصدير الازمات الداخلية الاميركية الى الخارج، وفي استغلال أي انتصار خارجي على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والامنية، نجح الرئيس ترامب في “دوزنة” اتفاق السلام، في التوقيت والمضمون، مما يضمن له النجاح في دورة رئاسية ثانية أمام منافسيه أكان من حلفائه الديمقراطيين أم أخصامه الجمهوريين.. أليس هو من وضع حداً لأطول الحروب الاميركية في العصر الحديث؟ سبق ذلك الحدث، سلسلة مبادرات وقرارات اتخذها سيد البيت الابيض، وكل منها شكّلت خطوة جريئة، وإن كان وصفلها بـ”المتهوّرة” كما يرى “الجمهوريون”، وخصوصاً لجهة إعلانه عن “صفقة القرن” التي فتحت نوافذ مشرعة لحرب عربية – اسرائيلية جديدة أكثر عنفاً ودموية، أخذت تباشيرها تكبر أكثر فأكثر في الارهاب الاسرائيلي بحق غزة وأبنائها، كما في المزيد من بناء المستعمرات في الضفة الغربية المحتلة.
في الأهداف نفسها، وبالنفس المالي الذي يبرع به ترامب، تمكّن سيد البيت الابيض من “بيع السلام” للمملكة العربية السعودية والخليج العربي عموماً بمليارات الدولارات، وحيث في كل مرة اعتاد المتاجرة بـ”السلام العالمي” والخليجي تحديداً، بـ”الكاش” حيناً وبيع الاسلحة الاميركية المتطورة احياناً.
المتاجرة ذاتها تستتبع خطواتها مع “طالبان” في أفغانستان لدرجة أن البعض اعتبرها خدعة عرف ترامب استغلالها وهو في أمس الحاجة لأصوات الناخبين الاميركيين، يعيدون تنصيبه سيد البيت الابيض في تشرين الثاني المقبل.. علماً أن كل المنافسين ضمن الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي الهادفة الى اختيار مرشح واحد يواجه ترامب في الانتخابات الرئاسية أيّدوا اتفاق واشنطن – طالبان ولو بدرجات متفاوتة.
واقع الحال أنه مع مرور عشرين سنة على بدء الحرب في أفغانستان وما تولّد منها من حروب ضد المنظمات الارهابية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ادى تراكم الخسائر البشرية وكذلك تخصيص مليارات الدولارات للنفقات العسكرية الى تراجع القناعات بأن واشنطن تخوض “حرب الغاء” لكل أشكال الارهاب. صحيح أن ترامب وصل الى البيت الابيض بعما تعهّد في حملاته الانتخابية الانسحاب من الحروب التي لا تنتهي، وان الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه بعد عقدين من الزمن، يرتبط بحبل المفاوضات الغامضة التي يفترض أن تجري بين “طالبان” وحكومة كابول. وحسب آدم دونيش المتخصص في الشؤون الأفغانية والمناهض للتدخلات الخارجية “بدأت الرمال تتحرك حتى في ما يتعلق بالمسألة الأفغانية التي ظلت لوقت طويل في خانة المحرمات للشعب الاميركي”. وأشار آدم الى أن “انتخاب ترامب رئيساً لم يمثل منعطفاً بحد ذاته، وإنما جاء كمؤشر لحصول التحوّل”، مستبعداً “عودة الولايات المتحدة الى الوراء في هذه المسألة”.
ثمة سؤال يطرح بعد هذا التحوّل الاميركي الذي جعل “طالبان” منظمة إرهابية كما اعتادت واشنطن على وصفها، الى أداة سلام: ان كان ثمة توافق واسع على أن الضربات الاميركية المتوالية على أفغانستان في العشرين سنة الماضية كانت مبررة، فماذا نقول اليوم لم يقل أحد أن الهدف من اتفاق السلام تغيير النظام الافغاني ولا بالتأكيد تغيير مجتمعه، ولكن من يضمن أميركا وطالبان معاً تنفيذ بنود سلام محفوف بالتحديات، خصوصاً من جانب روسيا والصين وايران، وما تختزنه هذه الدول من مفاجآات قد لا تكون في مصالح السلام الاميركي – الطالباني.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com