تتجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي نحو مرحلة جديدة تتجاوز الإجابة عن الأسئلة وتوليد النصوص، لتصل إلى تنفيذ المهام نيابةً عن المستخدمين، من حجز المطاعم والتقديم على الوظائف إلى تخطيط الوجبات والبحث عن أفضل الأسعار. وفي هذا السياق، برز مساعد الذكاء الاصطناعي «ميوز» من شركة «ميتا»، إلى جانب «دوتس» المدمج ضمن خدمات «أوبن إيه آي»، بوصفهما مثالين على تطور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي.
وتكشف تجربة عملية نُشرت في صحيفة «نيويورك تايمز» عن إمكانات هذه الأدوات في أتمتة أعمال يومية متكررة، مع تفاوت واضح في قدرتها على تنفيذ المهام، إلى جانب تحديات تتعلق بالموثوقية والخصوصية والتكلفة.
وكلاء الذكاء الاصطناعي.. ما الفرق بينهم وبين روبوتات الدردشة؟
وكلاء الذكاء الاصطناعي.. ما الفرق بينهم وبين روبوتات الدردشة؟
تختلف وكلاء الذكاء الاصطناعي عن روبوتات الدردشة التقليدية في طبيعة الدور الذي تؤديه. فبينما تركز روبوتات الدردشة على الإجابة عن الأسئلة وتقديم المعلومات، تستطيع الوكلاء استخدام أدوات رقمية ومتصفح لتنفيذ سلسلة من الخطوات، مثل البحث عن وظيفة والتقديم عليها، أو حجز طاولة في مطعم، أو إرسال رسائل البريد الإلكتروني.
ولم تكن فكرة المساعدات الرقمية القادرة على تنفيذ الأوامر جديدة؛ فقد حاولت شركات تقنية كبرى، بينها «أمازون» و«أبل» و«غوغل»، تقديم مساعدين افتراضيين قبل أكثر من عقد، لكن محدودية التقنية وبطء تنفيذ الأوامر جعلا استخدامها أقل عملية بالنسبة إلى كثير من المستهلكين.
أما الجيل الأحدث من الوكلاء، فيسعى إلى إنجاز مهام أكثر تعقيداً، مع إمكانية العمل بصورة متكررة أو وفق جدول محدد. كما أشارت التجربة إلى اختبار شركة «أنثروبيك»، المطورة لروبوت الدردشة «كلود»، وكيلاً مشابهاً يحمل اسم «ديويت».
«ميوز» و«دوتس».. اختلاف في التكلفة والأداء
«ميوز» و«دوتس».. اختلاف في التكلفة والأداء
بحسب التجربة المنشورة، يمكن إعداد «ميوز» باستخدام النسخة المتاحة عبر متاجر التطبيقات، وإنشاء وكيل رقمي خاص به. أما «دوتس»، فيُستخدم ضمن خدمات «تشات جي بي تي» من خلال اشتراك «تشات جي بي تي برو 100»، وفق ما ورد في التقرير، مع إمكانية ربطه بتطبيقات مثل «جي ميل».
واختبر صاحب التجربة الأداتين في مجموعة من المهام اليومية، من بينها حجز المطاعم، والبحث عن فرص عمل، وإعداد خطط للوجبات، والتفاوض للحصول على أسعار أفضل.
وأظهرت النتائج تفاوتاً في الأداء؛ إذ نجح «ميوز» في بعض المهام التي واجه فيها «دوتس» صعوبات تقنية، بينما تمكن «دوتس» من الوصول إلى مرحلة تأكيد حجز في مطعم شديد الإقبال. وتوضح هذه النتائج أن أداء الوكيل يعتمد على طبيعة المهمة وقدرته على التعامل مع المواقع والخدمات الرقمية، وليس على مستوى الذكاء الاصطناعي وحده.
5 مهام يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تنفيذها
حجز المطاعم والفعاليات
حجز المطاعم والفعاليات
تتمثل إحدى أبرز الاستخدامات في متابعة المواعيد المتاحة لحجز طاولة في مطعم يواجه إقبالاً كبيراً، بدلاً من اضطرار المستخدم إلى تفقد موقع الحجز مراراً.
وفي التجربة، طلب الكاتب من «ميوز» و«دوتس» متابعة الحجوزات في مطعم «صن مون استوديو» بمدينة أوكلاند في ولاية كاليفورنيا، وهو مطعم فاخر محدود المقاعد. وبعد محاولات متكررة، تمكن «دوتس» من الوصول إلى شاشة تأكيد حجز لطاولة في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر.
ويمكن تطبيق الفكرة ذاتها على متابعة تذاكر الحفلات والفعاليات الرياضية أو المنتجات التي تنفد سريعاً، مع ضرورة التحقق من إتمام الحجز أو الشراء فعلياً قبل اعتبار المهمة منجزة.
إعداد خطط التمارين بحسب الموقع
إعداد خطط التمارين بحسب الموقع
يمكن للوكلاء أيضاً المساعدة في تنظيم الأنشطة اليومية، مثل إعداد خطة للتمارين الرياضية عند الوصول إلى النادي.
وخلال التجربة، طلب الكاتب تلقي خطة تدريب تتناسب مع أهدافه بمجرد وصوله إلى نادي تسلق الصخور. ولم يتمكن «دوتس» من تنفيذ الطلب اعتماداً على الموقع الجغرافي الفعلي، بينما استطاع «ميوز» إرسال خطة التمارين عند وصول الكاتب إلى النادي.
وتتيح هذه الفكرة، بحسب الإمكانات المتوافرة في كل تطبيق، إعداد قوائم مهام مرتبطة بمواعيد أو ظروف محددة، مثل الوصول إلى مكان العمل أو الذهاب إلى المتجر.
تسريع البحث عن الوظائف والتقديم عليها
تسريع البحث عن الوظائف والتقديم عليها
يُعد البحث عن عمل وإرسال الطلبات من المهام التي تستغرق وقتاً طويلاً، خصوصاً عندما يتطلب كل إعلان تعديل الرسالة التعريفية وإعادة إرسالها.
وفي التجربة، كُلّف الوكيلان بالبحث يومياً عن إعلانات جديدة لوظائف رعاية الأطفال والرد على الإعلانات المناسبة باستخدام نص أُعد مسبقاً. وواجه «دوتس» أعطالاً متكررة في متصفحه، في حين نجح «ميوز» في الرد على ثمانية إعلانات، وتلقى الكاتب خلال ساعة ردين من عائلتين مهتمتين بمقابلة مقدمة الرعاية.
ومع ذلك، فإن تفويض هذه المهمة يتطلب مراجعة الطلبات والرسائل قبل إرسالها، والتأكد من دقة المعلومات المقدمة وعدم التقدم إلى وظائف لا تتوافق مع شروط المستخدم.
تخطيط الوجبات اليومية والأسبوعية
تخطيط الوجبات اليومية والأسبوعية
يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي المساعدة في تقليل الوقت الذي يستغرقه التخطيط للطعام، من خلال مراعاة تفضيلات أفراد الأسرة والمكونات المتوافرة في المنزل.
وفي الاختبار، زوّد الكاتب «ميوز» و«دوتس» بمعلومات عن الأطعمة التي تفضلها ابنته في المدرسة، والوجبات التي يحب إعدادها للعشاء، إضافة إلى قائمة بالمكونات الموجودة في الثلاجة. وطلب تلقي اقتراحات يومية في السابعة صباحاً.
وقدمت الأداتان اقتراحات مختلفة للغداء، بينما اتفقتا مصادفةً على وجبة العشاء في أحد الأيام. ووفق التجربة، ساعدت التوصيات على تحويل التخطيط اليومي للوجبات إلى مهمة أقل استهلاكاً للوقت.
البحث عن أفضل الأسعار والتفاوض مع المتاجر
البحث عن أفضل الأسعار والتفاوض مع المتاجر
يتيح استخدام الوكلاء أتمتة جزء من عملية التسوق، من خلال مقارنة الأسعار والبحث عن عروض مناسبة والتواصل مع المتاجر لطلب مطابقة سعر أقل.
وفي التجربة، طلب الكاتب من «ميوز» و«دوتس» البحث عن إطارات جديدة للسيارة، والعثور على عرض مناسب، ثم التواصل مع متجر قريب لطلب مطابقة السعر. وتمكنت الأداتان من العثور على مجموعة إطارات من علامة «ميشلان» بسعر يقل بمقدار 80 دولاراً عن السعر الذي عرضه المتجر، ثم تعبئتا نموذجاً إلكترونياً لطلب مطابقة السعر.
وبحسب الكاتب، تلقى رسالتين من المتجر تؤكدان الموافقة على مطابقة السعر. وتوضح التجربة كيف يمكن للوكلاء المساعدة في مقارنة العروض والتفاوض، مع أهمية التأكد من شروط البيع والضمان وتكاليف التركيب قبل إتمام الشراء.
الخصوصية والتكلفة.. تحديات لا يمكن تجاهلها
الخصوصية والتكلفة.. تحديات لا يمكن تجاهلها
رغم الإمكانات التي تقدمها وكلاء الذكاء الاصطناعي، فإن ربطها بالبريد الإلكتروني والتطبيقات الشخصية يمنحها إمكانية الوصول إلى معلومات قد تكون حساسة. لذلك، تنصح التجربة بعدم منح الوكلاء إلا الصلاحيات الضرورية، واستخدام حسابات منفصلة للمهام التي لا تتطلب الاطلاع على البيانات الشخصية الأساسية.
كما ينبغي مراجعة سياسات الخصوصية وشروط استخدام كل خدمة، وفهم كيفية التعامل مع المعلومات التي تتم مشاركتها معها، فضلاً عن مراقبة الرسائل والطلبات التي تنفذها الوكلاء نيابةً عن المستخدم.
أما من ناحية التكلفة، فقد رأى الكاتب أن «ميوز» كان خياراً أكثر ملاءمة في المهام التي اختبرها، بالنظر إلى نتائجه وتكلفة استخدام «دوتس» الواردة في التقرير. ونقل عن ألكسندر إمبيريكوس، رئيس قسم منتجات المؤسسات في «أوبن إيه آي»، أن «دوتس» صُمم أساساً للتعامل مع مهام أكثر تعقيداً، مثل مساعدة العاملين المستقلين على إدارة أعمالهم، وأن الشركة تتوقع إتاحة الخدمة مجاناً في نهاية المطاف بعد اختبارها مع مستخدمين يدفعون مقابلها.
وتشير هذه التجربة إلى أن مستقبل المساعدات الرقمية قد يتجه نحو تفويضها بالمزيد من الأعمال اليومية، لكن الاستفادة منها ستظل مرتبطة بمدى دقتها وموثوقيتها، وبقدرة المستخدم على ضبط صلاحياتها ومراجعة ما تنفذه قبل اتخاذ القرارات النهائية.