واشنطن تكثّف الضغط الاقتصادي على إيران.. والعقوبات تصطدم بجمود مفاوضات هرمز
تواصل الولايات المتحدة تشديد ضغطها الاقتصادي على إيران، في خطوة جديدة تستهدف القنوات المالية التي تتهمها واشنطن بمساعدة طهران على الالتفاف على العقوبات الغربية، بالتزامن مع استمرار الجمود الدبلوماسي بشأن إعادة فتح مضيق هرمز وتراجع فرص انعقاد الاجتماع الخليجي الإيراني الذي كان مقرراً في سلطنة عُمان.
ويأتي التصعيد الاقتصادي في وقت تبدو فيه المسارات السياسية أمام اختبار صعب، إذ فرضت وزارة الخزانة الأمريكيةعقوبات جديدة على بنك VTB الروسي، متهمة المؤسسة المالية بالمساعدة في تسهيل تعاملات مرتبطة بإيران وبناء قنوات مالية مع بنوك إيرانية خاضعة للعقوبات. وأكدت الخزانة الأمريكية أن الخطوة تندرج ضمن حملة أوسع تستهدف شبكات تمويل تعتبرها واشنطن داعمة لطهران.
وشملت الإجراءات الجديدة بنك VTB، ثاني أكبر بنك في روسيا، على خلفية اتهامات أمريكية له بالمساهمة في مساعدة إيران على تجاوز القيود المالية المفروضة عليها.
وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية، عمل البنك على بناء علاقات مع مؤسسات مالية إيرانية مدرجة على قوائم العقوبات، كما ساهم في إنشاء قنوات مالية للتعامل بين موسكو وطهران، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تضييق المسارات التي يمكن أن تستخدمها إيران في تجارتها وتحويلاتها المالية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن حملة أوسع لوزارة الخزانة الأمريكية تحت اسم “Operation Economic Outcast“، تستهدف الجهات التي ترى واشنطن أنها توفر لإيران أدوات أو قنوات للالتفاف على العقوبات.
واشنطن توسّع الضغط المالي على طهران
واشنطن توسّع الضغط المالي على طهران
ولا تقتصر أهمية العقوبات الجديدة على البنك الروسي وحده، إذ تحمل الرسالة الأمريكية بعداً أوسع يتمثل في الضغط على المؤسسات المالية الدولية لمنعها من توفير قنوات بديلة أمام إيران.
وتأتي الإجراءات الجديدة بعد خطوات أمريكية استهدفت مؤسسات مالية وشبكات مرتبطة بإيران في دول أخرى، فيما تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب زيادة كلفة التعامل مع المؤسسات والجهات التي تعتبرها واشنطن جزءاً من شبكة الالتفاف على العقوبات.
ويرى مراقبون أن استهداف مؤسسة مالية روسية كبيرة يحمل أيضاً رسالة إلى بنوك وشركات في دول أخرى، مفادها أن واشنطن مستعدة لتوسيع نطاق العقوبات عندما تعتبر أن هناك دعماً مالياً لطهران.
ترامب يبقي باب التفاوض مفتوحاً
ترامب يبقي باب التفاوض مفتوحاً
وبالتوازي مع التصعيد الاقتصادي، لم يغلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الباب أمام المسار الدبلوماسي، إذ قال إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق “وبسرعة شديدة”، مشيراً إلى أنه سيقرر ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنخرط في هذا المسعى.
وأكد ترامب أن خيار التفاوض يبقى مطروحاً، في إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية لا تزال تجمع بين سياسة الضغط الاقتصادي ومحاولة إبقاء إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية قائمة.
ويعكس هذا الموقف استمرار استراتيجية تقوم على الجمع بين الضغط والعقوبات من جهة، وترك باب التفاوض مفتوحاً من جهة أخرى، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملفات التي تعتبرها واشنطن أساسية.
طهران: لا محادثات قبل تلبية الشروط الإيرانية
رضائي: “لن تكون هناك محادثات ما لم تُلبَّ شروط إيران”
في المقابل، شددت طهران على أن أي مسار تفاوضي لن يكون مفتوحاً من دون تلبية شروطها.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إنه “لن تكون هناك محادثات ما لم تُلبَّ شروط إيران”، في موقف يعكس استمرار التباعد بين الطرفين بشأن طبيعة المفاوضات وشروطها ومجالاتها.
ويشير الموقف الإيراني إلى أن طهران لا تنظر إلى العقوبات باعتبارها مدخلاً كافياً لإجبارها على القبول بمفاوضات بشروط أمريكية، فيما تحاول واشنطن استخدام الضغط المالي لإعادة تشكيل البيئة التفاوضية.
جمود مفاوضات مضيق هرمز
جمود مفاوضات مضيق هرمز
ويأتي التصعيد الاقتصادي بالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي المرتبط بـ مضيق هرمز، بعدما تأجل اجتماع كان مقرراً في سلطنة عُمان بين إيران ودول خليجية لبحث ترتيبات مرتبطة بالممر البحري الحيوي.
وأفادت تقارير بأن الاجتماع تأجل وسط الحاجة إلى مزيد من التوافق، فيما تحدثت طهران عن إمكانية تنسيق موعد جديد للاجتماع. ويأتي ذلك في ظل تراجع حركة الملاحة عبر المضيق إلى مستويات منخفضة للغاية مقارنة بالمعدلات التي كانت سائدة قبل الأزمة.
وتزداد أهمية هذا المسار بسبب الدور الحيوي لمضيق هرمز في حركة شحن النفط والغاز العالمية، ما يجعل استمرار الأزمة فيه عاملاً مؤثراً في الأسواق الدولية وأمن الطاقة.
وبحسب بيانات نقلتها رويترز، شهد المضيق في أحد أيام الأسبوع مرور أربع سفن للسلع الأساسية فقط، مقابل متوسط سابق كان يصل إلى نحو 125 عبوراً يومياً قبل اندلاع الأزمة، ما يعكس حجم التراجع في حركة الملاحة.
العقوبات وهرمز.. مساران متوازيان في مواجهة واحدة
العقوبات وهرمز.. مساران متوازيان في مواجهة واحدة
ويكشف تزامن العقوبات الجديدةمع تعثر المحادثات حول مضيق هرمز عن مسارين متوازيين في المواجهة بين واشنطن وطهران.
ففي الجانب الاقتصادي، تسعى الولايات المتحدة إلى تضييق القنوات المالية والتجارية التي يمكن أن تستخدمها إيران لتجاوز العقوبات، بينما تحاول طهران الحفاظ على هامش الحركة الاقتصادية والسياسية في ظل الضغوط المتزايدة.
أما في الجانب الدبلوماسي، فإن استمرار الخلاف بشأن شروط التفاوض ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز يجعل الوصول إلى تفاهم سريع أمراً بالغ الصعوبة.
وفي الوقت نفسه، تستمر التطورات العسكرية والأمنية في المنطقة بالضغط على المسار السياسي، مع تصاعد الهجمات المرتبطة بجبهة اليمن وتراجع حركة الملاحة في كل من مضيق هرمز وباب المندب.
إلى أين تتجه المواجهة بين واشنطن وطهران؟
إلى أين تتجه المواجهة بين واشنطن وطهران؟
تضع التطورات الأخيرة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران أمام معادلة معقدة: واشنطن تصعّد اقتصادياً، لكنها تترك باب التفاوض مفتوحاً، بينما ترفض طهران الدخول في محادثات لا تراعي شروطها.
وبينما تحاول الإدارة الأمريكية استخدام العقوبات للضغط على إيران وشركائها الماليين، يبقى ملف مضيق هرمز أحد أبرز عناصر الضغط المتبادل، نظراً إلى تأثيره المباشر على حركة التجارة والطاقة العالمية.
وبذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الطرفين على الانتقال من سياسة الضغط المتبادل إلى تفاهمات محددة، أو استمرار التصعيد بما يحمله ذلك من مخاطر اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود البلدين إلى منطقة الخليج والأسواق العالمية.