تتجه الأنظار في قراءة الصحافة العبرية الصادرة في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026 إلى ثلاثة ملفات مترابطة: مستقبل الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات، والصراع على تشكيل ائتلاف حاكم، واحتمالات تجدد المواجهة العسكرية مع إيران في ظل استمرار التوتر على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية. ولا تقتصر أهمية هذه الملفات على الحسابات الحزبية الداخلية، بل تمتد إلى الخيارات الأمنية والاستراتيجية التي قد تؤثر في المنطقة بأكملها.
وتكشف قراءة مقالات الرأي والتحليلات الإسرائيلية عن تباينات في تفسير الأزمة السياسية، وفي تقدير المخاطر الناجمة عن غياب حكومة مستقرة، فضلاً عن اختلاف وجهات النظر بشأن العلاقة بين القرارات العسكرية والمصالح السياسية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وبينما تركز بعض الكتابات على ضرورة تجاوز الانقسامات الحزبية، تحذر أخرى من أن استمرار المراوحة السياسية قد يترك إسرائيل أمام استحقاقات أمنية واقتصادية لا تنتظر انتهاء المفاوضات على تشكيل الحكومة.
صحيفة يديعوت أحرونوت: كتب نحوم برنياع تحت عنوان:
“بين بيبي وطيبي”
نشر الكاتب الإسرائيلي نحوم برنياع مقالاً بعنوان “بين بيبي وطيبي”، تناول فيه المعضلة التي تواجه معسكر المعارضة الإسرائيلية بعد الانتخابات، ولا سيما التناقض بين رغبته في تغيير الحكومة من جهة، وتمسك بعض مكوناته بمواقف تحول دون الاستعانة بالأحزاب العربية لتشكيل ائتلاف بديل من جهة أخرى.
تغيير الحكومة أم التمسك بالشعارات الانتخابية؟
يرى برنياع أن الانتخابات وضعت معسكر المعارضة أمام اختبار سياسي حقيقي، يتجاوز الخلاف التقليدي بين الأحزاب الإسرائيلية بشأن هوية رئيس الحكومة المقبل. فالمشكلة، وفق قراءته، تتمثل في أن القوى التي اجتمعت حول هدف إزاحة بنيامين نتنياهو لم تتفق بالضرورة على الشروط التي ينبغي أن تحكم المرحلة التالية.
ويشير الكاتب إلى أن قضيتين أساسيتين ساهمتا في توحيد قوى التغيير: تجنيد اليهود الحريديم في الجيش، ورفض التعاون مع الأحزاب العربية. لكن نتائج الانتخابات، كما يقرأها، جعلت التمسك بالموقفين معاً عقبة أمام تشكيل حكومة بديلة.
وهنا تكمن النقطة المركزية في المقال: هل تستطيع المعارضة الإسرائيلية تحقيق هدفها السياسي الأساسي من دون مراجعة بعض تعهداتها الانتخابية؟
لا يقدم برنياع المسألة باعتبارها خلافاً إجرائياً بسيطاً، بل بوصفها اختباراً لقدرة القيادات السياسية على التمييز بين المبادئ التي لا يمكن التخلي عنها، والمواقف التي يمكن إعادة النظر فيها عندما تتغير الظروف.
ومن هذا المنطلق، يضع الكاتب مسألة تغيير الحكومة في مرتبة متقدمة من أولويات المعسكر المعارض، معتبراً أن تحقيق هذا الهدف هو المدخل الذي يمكن أن يسمح له بمعالجة ملفات أخرى.
لكن هذه المقاربة تطرح سؤالاً مقابلاً: هل يؤدي تقديم إسقاط الحكومة على سائر القضايا إلى بناء ائتلاف مستقر، أم يؤجل الانفجار الداخلي إلى مرحلة لاحقة؟
معضلة التجنيد والاحتقان داخل المجتمع الإسرائيلي
يتوقف برنياع عند ملف تجنيد الحريديم، الذي تحول إلى أحد أبرز محاور الانقسام السياسي والاجتماعي في إسرائيل.
ويربط الكاتب أهمية هذه القضية بالتفاوت في تحمل أعباء الحرب، ولا سيما في ظل الخسائر البشرية والضغط على المؤسسة العسكرية والحاجة إلى المزيد من الجنود.
وفي قراءته، لم يعد الخلاف متعلقاً فقط بالترتيبات القانونية التي تنظم الخدمة العسكرية، بل بات مرتبطاً بشعور قطاعات من المجتمع الإسرائيلي بأن الأعباء ليست موزعة بصورة متساوية.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يكشف عن وجود أزمة تتجاوز الحسابات البرلمانية. فحتى لو تمكنت الأحزاب من التوصل إلى تسوية مؤقتة بشأن تشكيل الحكومة، فإن الخلاف حول الخدمة العسكرية قد يستمر في التأثير في تماسك المجتمع والائتلاف الحاكم.
ومن هنا، يمكن فهم صعوبة تقديم تنازلات في هذا الملف. فالأحزاب التي جعلت التجنيد عنواناً أساسياً لحملاتها الانتخابية ستواجه اتهامات بالتراجع عن تعهداتها إذا قبلت تسوية لا تلبي مطالب جمهورها.
لكن التمسك بالمواقف الأصلية قد تكون له كلفة سياسية أيضاً، لأنه يمكن أن يغلق الباب أمام تشكيل حكومة جديدة.
وبذلك، يضع المقال القارئ أمام معادلة واضحة: كلما ازدادت صعوبة التوصل إلى تسوية بشأن التجنيد، ازدادت صعوبة بناء ائتلاف يستطيع الاستمرار في الحكم.
الأحزاب العربية ومعادلة تشكيل الحكومة
ينتقل برنياع إلى القضية الأكثر حساسية في الحسابات السياسية الإسرائيلية، وهي إمكانية الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة بديلة.
ويشير إلى أن مشاركة الأحزاب العربية في دعم حكومة إسرائيلية ظلت موضع خلاف طويل، وأن التطورات السياسية والأمنية الأخيرة دفعت قطاعات من المجتمع العربي داخل إسرائيل إلى المطالبة بدور سياسي أكثر تأثيراً.
ويربط الكاتب هذا التحول برغبة الناخبين العرب في التأثير في السياسات الحكومية، وبالقضايا التي تمس حياتهم اليومية، وفي مقدمتها الأمن الشخصي ومكافحة الجريمة والتمثيل السياسي.
وتبرز أهمية هذا التحليل في أن التصويت العربي لا يظهر هنا مجرد تفصيل انتخابي، بل عاملاً قد يؤثر في هوية الحكومة المقبلة.
لكن برنياع لا يتجاهل العقبات التي تواجه هذا الخيار. فالتعاون مع الأحزاب العربية يمكن أن يثير اعتراضات داخل المعسكر المعارض نفسه، وقد يمنح نتنياهو فرصة لتعبئة مؤيديه ضد أي حكومة تستند إلى هذا الدعم.
ومن الناحية السياسية، يفتح ذلك الباب أمام احتمال أن يحقق معسكر ما أغلبية حسابية في الكنيست، لكنه يعجز عن تحويلها إلى حكومة مستقرة بسبب الخلافات الأيديولوجية بين مكوناته.
ويكشف هذا التناقض عن أحد أعمق أوجه الأزمة الإسرائيلية: التفاوت بين موازين القوى داخل البرلمان والقدرة الفعلية على تشكيل ائتلاف حاكم.
ماذا تعني هذه القراءة للبنان والمنطقة؟
تكتسب هذه الأزمة أهمية إضافية بالنسبة إلى لبنان، لأن تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة سيؤثر في القرارات المتعلقة بالحرب والتفاوض والعلاقة مع الولايات المتحدة.
لكن ينبغي التمييز بين أمرين: فالمقال يتناول أساساً الحسابات السياسية الداخلية، ولا يقدم دليلاً على أن أي حكومة مقبلة ستتبنى بالضرورة سياسة أكثر اعتدالاً تجاه لبنان.
مع ذلك، يمكن استنتاج أن استمرار التنافس الحزبي والانقسام بشأن تشكيل الحكومة قد يعقد عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية، خصوصاً إذا تزامنت المفاوضات الائتلافية مع تطورات أمنية إقليمية.
كما أن الصراع الداخلي حول دور الأحزاب العربية يكشف عن حدود الخطاب الإسرائيلي الذي يربط الاستقرار السياسي بإجماع قومي، بينما تظهر النتائج الانتخابية أن جزءاً مهماً من التوازن البرلماني مرتبط بأصوات المواطنين العرب.
ومن منظور لبناني، لا تكفي معرفة الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة لتقدير اتجاه السياسة الإسرائيلية؛ بل ينبغي مراقبة تركيبة الائتلاف، والضغوط التي يتعرض لها، ومدى تأثير الأحزاب الأكثر تشدداً في قراراته.
يضع نحوم برنياع المعارضة الإسرائيلية أمام خيار صعب بين الحفاظ على تعهداتها السياسية وتقديم تنازلات تسمح بتشكيل حكومة جديدة. وتكمن أهمية المقال في إظهاره أن أزمة الحكم لا تتعلق فقط بمن يتولى رئاسة الحكومة، بل بقدرة القوى السياسية على الاتفاق على قواعد الشراكة داخل نظام شديد الانقسام.
صحيفة هآرتس: كتب عاموس هارئيل تحت عنوان:
“نتنياهو سيخوض الحرب في الداخل والخارج للبقاء في السلطة”
تناول المحلل العسكري الإسرائيلي عاموس هارئيل، في صحيفة هآرتس، العلاقة بين الصراع السياسي الداخلي واحتمالات التصعيد العسكري مع إيران. ويطرح المقال قراءة نقدية لمخاطر توظيف الملفات الأمنية في الصراع على السلطة، في ظل الجدل حول نتائج الانتخابات وإمكانية تشكيل حكومة بديلة عن حكومة بنيامين نتنياهو.
الأمن القومي في مواجهة الحسابات السياسية
ينطلق هارئيل من فرضية أساسية مفادها أن القرارات العسكرية الكبرى لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الذي تُتخذ فيه، خصوصاً عندما تكون الحكومة أمام احتمال خسارة السلطة أو مواجهة تحديات تهدد استمرارها.
ويحذر الكاتب من أن يؤدي الصراع الداخلي إلى توظيف الأدوات الأمنية في مواجهة الخصوم السياسيين، أو إلى التشكيك في نتائج الانتخابات بطريقة تضعف الثقة بالمؤسسات.
ويشير المقال إلى الجدل المتعلق بالتحقيقات والادعاءات الخاصة بالتدخل في العملية الانتخابية، وإلى احتمال أن يؤدي تضخيم هذه الملفات إلى خلق مناخ سياسي يسمح بتعطيل تشكيل حكومة بديلة.
ومن المهم هنا التمييز بين الوقائع والقراءة السياسية: وجود تحقيق أمني لا يثبت في حد ذاته وجود توظيف سياسي، كما أن اتهام الحكومة باستخدام المؤسسات لمصلحتها يحتاج إلى أدلة مستقلة. لكن هارئيل يرى أن الطريقة التي تُطرح بها هذه الملفات في المجال العام تستحق التدقيق، بسبب انعكاساتها المحتملة على الثقة بالمؤسسات.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أن المؤسسات الأمنية الإسرائيلية تحظى عادة بمكانة مؤثرة في النقاش السياسي، ولذلك فإن دخولها في دائرة الاتهامات المتبادلة يمكن أن يوسع الانقسام بدلاً من احتوائه.
ومن منظور الكاتب، لا يقتصر الخطر على استمرار النزاع بين الحكومة والمعارضة، بل يشمل احتمال انتقال الصراع إلى المؤسسات التي يُفترض أن تؤدي وظائفها وفق قواعد مهنية وقانونية.
لماذا يربط الكاتب الأزمة الداخلية باحتمالات الحرب مع إيران؟
يضع هارئيل احتمال تجدد المواجهة مع إيران ضمن سياق الصراع على السلطة، ويشير إلى أن نتنياهو قد يسعى إلى الدفع نحو تصعيد خارجي في وقت يواجه فيه تحديات داخلية.
وهذه نقطة تحليلية حساسة، لأنها تتعلق بالدوافع المحتملة وراء القرار العسكري، وهي دوافع لا يمكن الجزم بها من دون أدلة مباشرة.
لكن السؤال الذي يطرحه المقال يظل مهماً: كيف يمكن ضمان أن يكون قرار الحرب نابعاً من تقدير أمني واستراتيجي واضح، لا من اعتبارات تتعلق بمستقبل الحكومة السياسي؟
فالقرار العسكري لا يقاس فقط بقدرة الجيش على تنفيذ الضربات، بل أيضاً بالأهداف التي يراد تحقيقها، وبالنتائج المتوقعة، وبالتكاليف البشرية والاقتصادية والدبلوماسية.
وإذا لم تكن هناك أهداف قابلة للتحقق، أو إذا لم يكن هناك تصور واضح لما بعد العمليات العسكرية، فقد تتحول المواجهة إلى سلسلة من الجولات التي تستنزف الموارد من دون أن تنتج تسوية مستدامة.
ومن هنا، يمكن قراءة تحذير هارئيل باعتباره دعوة إلى الفصل بين المصلحة الأمنية للدولة والمصلحة السياسية لأي قائد.
غير أن ذلك لا يعني أن كل تصعيد عسكري مرتبط بالضرورة بأهداف انتخابية أو حزبية؛ فالتوتر مع إيران له أسبابه الإقليمية والعسكرية المستقلة أيضاً. وتكمن قيمة المقال في طرح مسألة الرقابة على القرار، لا في اعتبار الدافع السياسي حقيقة مثبتة سلفاً.
حدود السلطة التنفيذية في مرحلة انتقالية
تزداد حساسية القضية عندما تكون نتائج الانتخابات قد أفرزت برلماناً منقسماً، ولا توجد أغلبية واضحة تضمن تشكيل حكومة مستقرة.
في هذه الظروف، يمكن أن تستمر الحكومة القائمة في إدارة شؤون الدولة، بينما تتواصل المفاوضات بشأن الائتلاف الجديد. لكن استمرارها في ممارسة صلاحياتها لا يلغي الحاجة إلى الرقابة السياسية والمؤسسية على قراراتها.
ومن هذا المنطلق، يثير المقال سؤالاً بشأن حدود التفويض السياسي المتاح لحكومة تواجه احتمال استبدالها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات قد تؤدي إلى حرب واسعة.
فالقرارات العسكرية الكبرى قد تكون ضرورية في بعض الظروف، لكن خطورتها تفرض توضيح أهدافها وتقدير نتائجها، وعدم الاكتفاء بتقديمها للجمهور في إطار خطاب عام عن التهديدات الوجودية.
وإذا تحولت المخاطر الأمنية إلى أداة في المنافسة السياسية، فقد يجد المجتمع نفسه أمام صعوبة متزايدة في التمييز بين التحذيرات المهنية والتعبئة الحزبية.
وهنا تظهر أهمية استقلالية المؤسسات العسكرية والأمنية، ووجود آليات رقابة قادرة على مراجعة القرارات، ومناقشة البدائل، ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات.
التداعيات المحتملة على لبنان
بالنسبة إلى لبنان، فإن احتمال التصعيد الإسرائيلي الإيراني ليس مسألة بعيدة عن الواقع الجغرافي والسياسي. فأي مواجهة واسعة قد تنعكس على الجبهة اللبنانية، وعلى الوضع الأمني في الجنوب، وعلى حركة النزوح والاقتصاد والملاحة الإقليمية.
لكن لا ينبغي التعامل مع التحليل السياسي الإسرائيلي باعتباره دليلاً على أن قرار الحرب قد اتُخذ بالفعل. فالمقال يحذر من احتمال التصعيد، ولا يثبت أن الحرب أصبحت حتمية أو أن دوافعها السياسية هي العامل الحاسم.
وتكمن أهمية المتابعة اللبنانية في مراقبة المؤشرات العملية: تحركات القوات، والتصريحات الرسمية، والتنسيق مع واشنطن، والمواقف الإيرانية، وأي تغيير في قواعد الاشتباك.
كما ينبغي مراقبة العلاقة بين التصعيد الخارجي والمفاوضات السياسية الداخلية. فإذا كانت الحكومة الإسرائيلية تمر بأزمة ائتلافية، فإن ذلك قد يؤثر في طريقة تقديم الخيارات الأمنية إلى الجمهور، لكنه لا يسمح وحده بالتنبؤ بالقرار النهائي.
يحذر عاموس هارئيل من مخاطر تداخل الصراع على السلطة مع القرارات الأمنية والعسكرية. وتكمن الرسالة الأهم في ضرورة إخضاع أي قرار بالحرب لتقييم استراتيجي ومؤسسي، لأن كلفة التصعيد لا يتحملها السياسيون وحدهم، بل تمتد إلى المجتمع الإسرائيلي ودول المنطقة، وفي مقدمتها لبنان.
صحيفة إسرائيل هيوم: كتب البروفيسور إيال زيسر تحت عنوان:
“لن ينتظرنا أحد بعد الانتخابات”
يتناول المؤرخ والباحث الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط إيال زيسر المخاطر الناجمة عن انشغال النظام السياسي الإسرائيلي بأزمة تشكيل الحكومة، في وقت تستمر فيه التحديات الإقليمية، من إيران إلى لبنان وغزة وسورية. ويحذر الكاتب من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أو الأطراف الإقليمية ستؤجل حساباتها إلى حين انتهاء إسرائيل من ترتيب وضعها السياسي الداخلي.
الانتخابات لا توقف حركة الإقليم
ينطلق زيسر من ملاحظة أساسية: انشغال الإسرائيليين بالانتخابات وصراعات تشكيل الحكومة لا يعني أن الملفات الإقليمية قد توقفت أو أن الأطراف الأخرى ستنتظر استقرار المشهد السياسي في إسرائيل.
ويرى الكاتب أن الانشغال الداخلي قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالتطورات العسكرية والدبلوماسية، حتى عندما تكون هذه التطورات مرتبطة مباشرة بأمن إسرائيل ومصالحها.
ويضع إيران في مقدمة التحديات، معتبراً أن العلاقة بين واشنطن وطهران قد تتجه إلى مسارات متغيرة بين التهديد العسكري ومحاولات التفاوض.
ويحذر من المراهنة على أن الانتخابات الأميركية أو تشكيل الحكومة الإسرائيلية سيحسمان تلقائياً اتجاه السياسة تجاه إيران، لأن القرارات في واشنطن وطهران تخضع أيضاً لحسابات مستقلة.
وتكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنبه إلى الفارق بين الزمن السياسي الداخلي والزمن الاستراتيجي الإقليمي. فالائتلافات تحتاج إلى مفاوضات وتنازلات، لكن الأزمات الأمنية لا تتوقف بالضرورة خلال هذه المفاوضات.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يعني ذلك أن الحكومة المقبلة قد تجد نفسها أمام قرارات صعبة قبل أن تتمكن من ترتيب أولوياتها الداخلية بصورة كاملة.
هل تستطيع الولايات المتحدة فرض إيقاعها على إسرائيل؟
يخصص زيسر جزءاً مهماً من تحليله للعلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويشكك في أن تتجه واشنطن بالضرورة إلى حرب شاملة هدفها إسقاط النظام الإيراني.
ويشير إلى أن الإدارة الأميركية قد تجمع بين التهديد العسكري والدعوة إلى التفاوض، الأمر الذي يضع إسرائيل أمام ضرورة تحديد موقفها من مسارات قد لا تتطابق بالكامل مع حساباتها.
ومن هنا، يبرز سؤال الاستقلال الاستراتيجي الإسرائيلي: هل تستطيع إسرائيل اتخاذ قرار عسكري واسع ضد إيران من دون دعم أميركي كافٍ، وهل يمكنها تحمل النتائج السياسية والعسكرية والاقتصادية لمثل هذا القرار؟
يرى زيسر أن التعامل مع إيران يحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد، لا إلى ردود فعل متعاقبة أو جولات عسكرية لا تحقق أهدافاً واضحة.
وهذه نقطة مهمة في قراءة المقال؛ إذ إن امتلاك القدرة العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فرض تسوية سياسية نهائية.
فقد تستطيع العمليات العسكرية إلحاق أضرار كبيرة بالخصم، لكنها لا تضمن وحدها تغيير سلوكه أو إنهاء أسباب الصراع.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عندما تكون أهداف واشنطن مختلفة جزئياً عن أهداف تل أبيب، أو عندما ترى الإدارة الأميركية أن التفاوض يخدم مصالحها أكثر من الانخراط في حرب جديدة.
لبنان وغزة وسورية ضمن الحسابات الأميركية
يوسع زيسر نطاق تحليله ليشمل لبنان وغزة وسورية، محذراً من أن إسرائيل قد تواجه ضغوطاً أميركية للانتقال من إدارة المواجهات العسكرية إلى ترتيبات سياسية وأمنية لا تتطابق بالكامل مع رؤيتها.
ويرى أن واشنطن تنظر إلى المنطقة ضمن تصور أوسع لإعادة ترتيب العلاقات والتحالفات، وهو ما قد يجعلها أكثر اهتماماً بالتفاهمات الإقليمية وبالعلاقات مع دول عربية وإسلامية.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة قد تطلب من إسرائيل تقديم تنازلات في بعض الملفات، إذا رأت أن ذلك يخدم أهدافها الاستراتيجية الأوسع.
لكن ينبغي التنبه إلى أن هذا التقدير يعكس قراءة الكاتب للسياسة الأميركية، وليس إعلاناً رسمياً عن شروط أميركية محددة.
وبالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة، لأن أي تفاهم أميركي إقليمي قد ينعكس على المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي، وعلى طبيعة الضغوط المرتبطة بالترتيبات الأمنية في الجنوب.
غير أن ذلك لا يعني أن واشنطن ستفرض بالضرورة تسوية بعينها، أو أن إسرائيل ستقبل بكل ما قد يُطرح عليها. فالنتائج ستتوقف على توازن المصالح والضغوط والقدرة على تنفيذ أي اتفاق.
من العمليات العسكرية إلى الاستراتيجية السياسية
من أبرز الأفكار التي يمكن استخلاصها من المقال أن إدارة التحديات الأمنية لا تكتمل بالعمل العسكري وحده.
فإذا كانت إسرائيل تواجه تحديات متزامنة في إيران ولبنان وغزة، فإن استمرار المواجهات من دون أهداف سياسية واضحة قد يؤدي إلى استنزاف الموارد، وتعميق الانقسام الداخلي، وزيادة الضغوط الخارجية.
وتتطلب الاستراتيجية، وفق هذه القراءة، تحديد الأولويات، وفهم حدود القوة العسكرية، وتقدير ما يمكن تحقيقه عبر التفاوض، وما يتطلب استمرار الردع، وما قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب.
كما أن غياب حكومة مستقرة قد يجعل من الصعب وضع خطة طويلة الأمد تحظى بتوافق سياسي داخلي، خصوصاً إذا كانت القرارات الأمنية الكبرى مرتبطة بتوازنات ائتلافية هشة.
ومن هنا، لا يقتصر تحذير زيسر على ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة، بل يشمل ضرورة ألا تتحول عملية تشكيلها إلى بديل عن التفكير الاستراتيجي.
يرى إيال زيسر أن إسرائيل لا تستطيع تعليق حساباتها الإقليمية إلى حين انتهاء أزمتها السياسية. فالولايات المتحدة وإيران والأطراف العربية تتحرك وفق مصالحها، وقد تجد إسرائيل نفسها أمام خيارات صعبة قبل تشكيل حكومة مستقرة. أما الرسالة الأهم للبنان، فهي أن أي مسار تفاوضي أو تصعيدي يجب قراءته في سياق الحسابات الأميركية والإقليمية الأوسع، لا باعتباره نتاجاً للقرار الإسرائيلي وحده.
صحيفة إسرائيل هيوم: كتب يوآف ليمور تحت عنوان:
“الحرب مع إيران تلوح في الأفق فيما ينشغل السياسيون الإسرائيليون بأجنداتهم الخاصة”
يتناول الكاتب والمحلل العسكري يوآف ليمور الفجوة بين حجم التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه إسرائيل، وبين انشغال القوى السياسية بالمفاوضات الائتلافية. ويشير إلى أن التحديات تشمل إيران ولبنان وغزة، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأزمة المتعلقة بالتجنيد.
أزمة الأولويات في إسرائيل
ينطلق ليمور من فكرة أن الانتخابات كان يفترض أن تفتح الطريق أمام تشكيل حكومة قادرة على التعامل مع ملفات أمنية واقتصادية متراكمة، لكن الانقسام السياسي لا يزال يحول دون الوصول إلى تسوية واضحة.
ويرى أن التحديات لا تقتصر على إيران أو الجبهات العسكرية، بل تشمل أيضاً ارتفاع تكاليف المعيشة، والعجز المالي، وأزمة التجنيد، والجريمة، والتعليم، وتراجع الثقة الدولية بإسرائيل.
وتكشف هذه القائمة عن جانب مهم من النقاش الداخلي الإسرائيلي: الأمن لا يُقاس فقط بنتائج العمليات العسكرية، بل أيضاً بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي وتمويل احتياجاتها وتوفير مستوى مقبول من الاستقرار الاجتماعي.
فالدولة التي تخوض مواجهات طويلة تحتاج إلى موارد مالية وبشرية مستدامة، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات في أكثر من مجال.
ومن هنا، يحذر المقال من أن يتحول الصراع الحزبي إلى عامل يعرقل وضع سياسة عامة متكاملة.
ولا يعني ذلك أن الخلاف السياسي يمكن إنهاؤه بسهولة باسم المصلحة الوطنية، لكن استمرار الانقسام قد يرفع كلفة اتخاذ القرارات ويجعل معالجة المشكلات أكثر صعوبة.
المشاركة العربية في المعادلة السياسية
يتوقف ليمور عند ارتفاع أهمية التصويت العربي، ويربطه جزئياً بتدهور الأمن الشخصي ومكافحة الجريمة داخل المجتمع العربي في إسرائيل.
ويشير إلى أن الاتهامات المتعلقة بالتلاعب الانتخابي أثارت جدلاً سياسياً واسعاً، لكنه يلفت إلى أن الجهات المعنية أكدت أن نزاهة الانتخابات لم تتأثر وفق المعلومات المتاحة في حينه.
كما يرى أن التعامل مع المواطنين العرب بوصفهم جزءاً من المعادلة السياسية يتطلب معالجة قضاياهم الاجتماعية والأمنية، بدلاً من الاكتفاء بالنقاش حول دور الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تربط المشاركة السياسية بمشكلات الحياة اليومية، لا بمجرد توزيع المقاعد البرلمانية.
لكن الكاتب يطرح أيضاً تصوراً يربط الشراكة السياسية بإمكانية تطوير إطار للخدمة الوطنية، وهو طرح يعكس رؤيته الخاصة، ولا ينبغي اعتباره موقفاً متفقاً عليه داخل المجتمع الإسرائيلي.
وتكشف هذه النقطة عن استمرار التوتر بين الاعتراف بأهمية الأصوات العربية في تشكيل الحكومات وبين الخلاف بشأن حدود مشاركتها وشروطها.
احتمالات التصعيد مع إيران
يتناول ليمور احتمال تجدد المواجهة مع إيران، ويشير إلى أن المشهد العسكري قد يتغير بالتزامن مع الانتخابات الأميركية وتطورات الاتصالات الدبلوماسية.
ويحذر من التعامل مع التصريحات السياسية بشأن البرنامج النووي الإيراني باعتبارها دليلاً كافياً على انتهاء التهديد أو على ضرورة شن حرب جديدة.
فإذا كانت المواجهة السابقة لم تحسم جميع الملفات، فإن تجددها يحتاج إلى أهداف محددة وتقدير واقعي لما يمكن تحقيقه.
وهنا تتقاطع قراءة ليمور مع تحذير زيسر من غياب الاستراتيجية، وإن اختلفت زاوية المعالجة بين الكاتبَين.
فالمشكلة ليست في وجود تهديد أمني فحسب، بل في كيفية تحديد الرد المناسب عليه، ومدى تناسب الوسائل المستخدمة مع الأهداف المعلنة.
وتبرز أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى لبنان، لأن التصعيد الإسرائيلي الإيراني قد يتجاوز حدود المواجهة المباشرة، ويؤثر في حسابات الأطراف الإقليمية الأخرى.
لكن احتمال الحرب لا يعني أنها حتمية، كما أن التقديرات الصحافية لا تغني عن مراقبة القرارات الرسمية والمؤشرات الميدانية.
هل تتقدم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية؟
تتمثل الفكرة الجامعة في مقال ليمور في أن الانشغال بتشكيل الحكومة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعطيل معالجة الملفات التي تواجه الدولة.
ويرى أن إسرائيل تحتاج إلى توافق سياسي أوسع يسمح بالتعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في وقت واحد.
لكن تحقيق هذا التوافق يصطدم بخلافات عميقة بشأن هوية الحكومة المقبلة، ودور الأحزاب العربية، ومستقبل التجنيد، وطبيعة العلاقة مع نتنياهو.
وتظهر هنا مفارقة سياسية: كل طرف قد يعلن أن المصلحة الوطنية هي أولويته، لكنه يفسر هذه المصلحة وفق حساباته الحزبية وموقفه من الطرف الآخر.
ومن ثم، فإن اختبار القيادات لا يقتصر على قدرتها على تشكيل حكومة، بل يشمل قدرتها على بناء آليات لاتخاذ القرارات الصعبة، وتوزيع الأعباء، وإدارة الخلافات من دون تعطيل المؤسسات.
وبالنسبة إلى لبنان، فإن هذه القراءة تدعو إلى الحذر من افتراض أن الأزمة السياسية الإسرائيلية ستؤدي تلقائياً إلى خفض التصعيد. فقد يؤدي الانقسام إلى إبطاء القرارات، لكنه قد يتزامن أيضاً مع خطوات أمنية لا تتوقف على انتهاء المفاوضات الائتلافية.
يحذر يوآف ليمور من أن انشغال السياسيين الإسرائيليين بمصالحهم الحزبية قد يترك البلاد أمام تحديات أمنية واقتصادية متراكمة. وتكمن أهمية المقال في ربط الاستقرار السياسي بالقدرة على إدارة ملفات متعددة، من إيران ولبنان وغزة إلى الاقتصاد والتجنيد والتماسك الاجتماعي.
ماذا تكشف الصحافة العبرية عن إسرائيل في مطلع تشرين الثاني 2026؟
تظهر القراءة المقارنة للمقالات الأربعة أن النقاش الإسرائيلي لا يدور حول هوية رئيس الحكومة المقبل فحسب، بل حول قدرة النظام السياسي على اتخاذ قرارات استراتيجية في ظل الانقسام الداخلي وتعدد التحديات الإقليمية.
في مقال نحوم برنياع، تبرز معضلة تشكيل الحكومة والتناقض بين تعهدات المعارضة الانتخابية ومتطلبات بناء ائتلاف بديل. أما عاموس هارئيل، فيركز على المخاطر التي قد تنشأ عندما تتداخل الحسابات السياسية مع القرارات الأمنية والعسكرية. ويشدد إيال زيسر على أن الأطراف الإقليمية والدولية لن تنتظر انتهاء الأزمة الحكومية الإسرائيلية، فيما يربط يوآف ليمور بين الانقسام السياسي وصعوبة معالجة الملفات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
وتكشف هذه الأطروحات عن ثلاث مسائل رئيسية:
أولاً، أزمة الحكم: قد لا تتحول النتائج الانتخابية إلى حكومة مستقرة إذا بقيت الخلافات الأيديولوجية عائقاً أمام بناء الائتلافات.
ثانياً، العلاقة بين السياسة والحرب: تفرض احتمالات التصعيد مع إيران ضرورة التمييز بين الأهداف الأمنية الفعلية والحسابات الحزبية، مع التأكيد أن الدوافع السياسية المحتملة لا يمكن اعتبارها حقائق مثبتة من دون أدلة.
ثالثاً، مستقبل العلاقة مع المنطقة: لا يمكن فهم السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان وغزة وسورية من خلال التوازنات الداخلية وحدها، بل ينبغي ربطها أيضاً بالموقف الأميركي، والتحركات الإيرانية، ومصالح الأطراف الإقليمية.
