من جبل عامل إلى قلب الدولة الصفوية: ماذا تكشف أسماء «الكركي» في الدبلوماسية العثمانية–الإيرانية؟
كتب باسم الموسوي
لا يقدّم كتاب سليم غونغورورلر The Ottoman Empire and Safavid Iran, 1639–1682 تاريخاً لشيعة جبل عامل، ولا يبحث بصورة مباشرة في انتقال العلماء العامليين إلى إيران أو في تكوين المؤسسة الدينية الصفوية. بل إن صاحبه يحدد مجال دراسته منذ البداية بالعلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدولة العثمانية وإيران الصفوية بعد صلح زهاب سنة 1639، ويقول صراحة إنه يترك المسائل الدينية خارج نطاق الكتاب. غير أن قراءة التفاصيل التي يجمعها من الوثائق تكشف إشارتين لافتتين تحملان اسماً مألوفاً في تاريخ الصلات بين جبل عامل وإيران: «الكركي». والمثير هنا ليس مجرد ظهور الاسم، بل الموقع الذي يظهر فيه حاملوه داخل الدولة الصفوية: مرة في رأس المؤسسة القضائية، ومرة في رأس الجهاز السياسي الذي يدير العلاقة مع الدولة العثمانية.
هذه الإشارات الصغيرة تكتسب أهميتها لأن الكتاب نفسه معنيّ بمرحلة مختلفة عن مرحلة تأسيس الدولة الصفوية. إنه يدرس العقود الممتدة من 1639 إلى 1682، أي بعد أكثر من قرن على قيام الدولة الصفوية وبعد أن تحولت العلاقات مع العثمانيين من سلسلة من الحروب المفتوحة إلى نظام أكثر استقراراً من التفاوض والردع وإدارة الحدود. ولذلك فإن ظهور اسم «الكركي» في هذه المرحلة لا يأتي في سياق نشاط مذهبي أو دعوي، وإنما في قلب عمل الدولة ذاتها. وهنا تحديداً تكمن الدلالة: فنحن لا نواجه عالماً يظهر على هامش السلطة، بل شخصيات ترد أسماؤها في وقائع دبلوماسية تمس العلاقة بين قوتين كبيرتين في الشرق الأوسط في القرن السابع عشر.
في سنة 1640، يروي الكتاب وصول المبعوث العثماني حمزة باشا أوغلو محمد آغا إلى أصفهان بعد صلح زهاب. استقبله البلاط الصفوي ضمن سلسلة من المراسم التي كان هدفها تثبيت الانتقال من الحرب إلى السلام. وبأمر من الشاه صفي، اصطحب المبعوث إلى المسجد الملكي الكبير في أصفهان لأداء صلاة الجمعة، ثم استضافه بعد الصلاة ميرزا حبيب الله الكركي الذي يصفه المؤلف بأنه «رئيس القضاء» أو Chief-justice. لم تكن الاستضافة حادثة اجتماعية عادية؛ فقد جاءت ضمن برنامج استقبال رسمي شارك فيه كبار رجال الدولة، وتبعها تكريم المبعوث من الشاه نفسه ثم استضافته من جانب رئيس الوزراء وكبار رجال البلاط.
إن موقع حبيب الله الكركي هنا بالغ الدلالة. فالكتاب لا يعرّف به بوصفه مجرد فقيه أو رجل دين، بل بوصفه صاحب موقع مؤسسي في قمة الجهاز القضائي للدولة الصفوية. وهو يدخل، من خلال هذا الموقع، في البروتوكول الدبلوماسي مع الدولة العثمانية. بمعنى آخر، لم يعد المجال الديني منفصلاً عن جهاز الدولة، بل أصبح أحد رجاله جزءاً من هندسة العلاقات السياسية الخارجية. واستضافة مبعوث السلطان العثماني بعد صلاة الجمعة تحمل معنى إضافياً: فاللقاء بين السلطتين العثمانية والصفوية لم يكن يمر فقط عبر الوزراء والقادة العسكريين، بل أيضاً عبر شخصيات تمثل البنية القضائية والدينية للدولة.
بعد نحو ربع قرن يظهر اسم آخر: ميرزا محمد مهدي الكركي. وهذه المرة لا نتحدث عن رئيس القضاء، بل عن شخصية يصفها الكتاب بأنها رئيس وزراء إيران الصفوية. ففي سنة 1666 كانت أزمة البصرة والقرنة تهدد بإعادة التوتر إلى العلاقة العثمانية–الصفوية. كانت الدولة العثمانية تحشد قواتها لإخضاع تمرد البصرة، الأمر الذي أثار مخاوف البلاط الصفوي من أن تكون التحركات العسكرية مقدمة لشيء أكبر. هنا بعث الصدر الأعظم العثماني كوبرولو أحمد باشا برسالة مباشرة إلى نظيره الإيراني محمد مهدي الكركي، موضحاً أن الحملة لا تستهدف إيران وأن غايتها القضاء على المتمردين، ومطالباً الصفويين بعدم إيوائهم أو تقديم المساعدة لهم لأن ذلك قد يُعد خرقاً للسلام.
وجاء رد محمد مهدي الكركي شديد الأهمية في فهم طبيعة موقعه. فقد أكد مجدداً الالتزام بالسلام مع العثمانيين، وأبلغهم أن الحملة على البصرة لا تثير اعتراض الدولة الصفوية لأن البصرة، وفق الموقف الذي عبّر عنه، أرض عثمانية. كما أكد أن المسؤولين الإيرانيين على الحدود تلقوا تعليمات بعدم القيام بما يمكن أن يؤدي إلى خرق الصلح، وأن الدولة الصفوية لن تدعم حسين باشا الأفراسيابي في مواجهته للعثمانيين.
هذه ليست مراسلة ثانوية. إنها تتعلق بواحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين الدولتين: حدود العراق والخليج وإمكان تحول تمرد محلي إلى مواجهة إقليمية. وفي هذه اللحظة يظهر محمد مهدي الكركي بوصفه أحد الذين يتحدثون باسم الدولة الصفوية ويقررون موقفها من الحرب والسلام. فإذا كان حبيب الله الكركي قد ظهر في الكتاب في رأس الجهاز القضائي، فإن محمد مهدي الكركي يظهر في قلب الجهاز التنفيذي والدبلوماسي.
لكن هنا ينبغي الانتباه إلى حدود ما تسمح به هذه المادة. الكتاب لا يقول إن حبيب الله الكركي أو محمد مهدي الكركي من جبل عامل، ولا يقدّم نسباً لهما، ولا يربطهما مباشرة بالمحقق الكركي أو بالشبكات العلمية العاملية. كما أنه لا يستخدم ظهورهما لكي يناقش شيعة جبل عامل أصلاً. لذلك لا يصح تحويل التشابه في الاسم إلى إثبات تاريخي للنسب أو الأصل. ما يمكن قوله بأمان هو أن اسم «الكركي» كان حاضراً في القرن السابع عشر داخل أعلى مستويات المؤسسة الصفوية، وأن هذا الظهور يفتح سؤالاً بحثياً مهماً عن خلفية هاتين الشخصيتين وصلتهما، إن وجدت، بالشبكات العلمية التي حملت هذا الاسم.
ومع ذلك، فإن أهمية الإشارة تتجاوز مسألة الأنساب. فالكتاب يكشف، من دون أن يجعل ذلك موضوعه، كيف أصبح رجال يحملون اسم الكركي جزءاً من بنية الدولة لا مجرد بيئتها الدينية. وهذا التحول هو ما يستحق التأمل. فحين يظهر الاسم في منصب القضاء ثم في رئاسة الحكومة، تكون المسألة قد انتقلت من تأثير فكري محتمل إلى تموضع مؤسسي داخل السلطة. وإذا أمكن إثبات الصلة التاريخية بين هؤلاء وبين البيئة العاملية في دراسات أخرى، فإن ذلك سيعني أن قصة العلاقة بين جبل عامل وإيران لا تختصر في انتقال الكتب والفقهاء والمعارف، بل قد تصل إلى مشاركة شخصيات مرتبطة بتلك البيئة في إدارة الدولة نفسها وفي رسم سياستها الخارجية.
ولعل الجانب الأكثر إثارة أن الكركيين المذكورين هنا يظهران تحديداً في سياق السلام مع العثمانيين. حبيب الله الكركي يشارك في استقبال مبعوث عثماني في أصفهان سنة 1640، في اللحظة التي كانت فيها الدولتان تعملان على تثبيت النظام الجديد الذي أنشأه صلح زهاب. ومحمد مهدي الكركي، بعد ستة وعشرين عاماً، يتبادل الرسائل مع كوبرولو أحمد باشا لمنع أزمة البصرة من التحول إلى حرب. وفي الحالتين تظهر وظيفة سياسية واضحة: إدارة علاقة مع الدولة العثمانية، لا التحريض على الصدام معها.
وهذه الصورة تتفق مع أطروحة الكتاب الأساسية كلها. فالمؤلف يرى أن السلام الذي أعقب سنة 1639 لم يكن فراغاً بين حربين، بل عملية يومية تحتاج إلى رسائل ومبعوثين وتفاوض وضبط للأطراف. كانت الحوادث الحدودية قادرة على إشعال المواجهة، لكن القرار النهائي بقي في أيدي المركزين السياسيين في إسطنبول وأصفهان. وفي هذا العالم الدبلوماسي المعقد، نجد اسم «الكركي» في قلب مؤسسات أصفهان.
لذلك قد تكون القيمة الحقيقية لهذه الإشارات أنها تغيّر السؤال. فبدلاً من أن نسأل فقط: ما أثر علماء جبل عامل في تشيع إيران الصفوية؟ يمكن أن نضيف سؤالاً آخر أكثر تركيباً: إلى أي مدى انتقلت الأسر والشبكات المرتبطة بذلك العالم العلمي من إنتاج المعرفة الدينية إلى إنتاج الدولة نفسها؟ كتاب غونغورورلر لا يجيب عن هذا السؤال، لكنه يقدم وثيقتين صغيرتين تبرران طرحه: كركي يستقبل مبعوث السلطان العثماني من موقعه في رأس القضاء سنة 1640، وكركي آخر يتفاوض باسم إيران مع الصدر الأعظم العثماني حول البصرة والسلام سنة 1666. وبين المشهدين تلوح إمكانية تاريخ أوسع لم يُكتب كاملاً بعد: تاريخ انتقال التأثير من الحوزة والفقه إلى الإدارة والدبلوماسية وصنع القرار.
