من جرائم القتل والاختفاء إلى قصص القتلة المتسلسلين، تحولت الجرائم الحقيقية إلى محتوى واسع الانتشار عبر المنصات الرقمية والبودكاست والوثائقيات. لكن اللافت أن النساء يظهرن، في عدد من الدراسات، أكثر ميلاً إلى متابعة هذا النوع من المحتوى مقارنة بالرجال.
فما الذي يجعل قصصاً مخيفة ومرتبطة بالعنف والجريمة تحظى بهذا الاهتمام؟
أكثر من مجرد فضول
بحسب تحليل نشره موقع Psychology Today، قد يرتبط الإقبال على محتوى الجرائم الحقيقية لدى النساء بمجموعة من الاحتياجات النفسية، بينها فهم المخاطر، والشعور بالاستعداد، وتنظيم المشاعر، إضافة إلى الرغبة في فهم دوافع مرتكبي الجرائم.
وتدعم أبحاث أخرى وجود فرق في استهلاك هذا النوع من المحتوى بين النساء والرجال. فقد وجدت دراسة منشورة عام 2021 ارتباطاً بين متابعة الجرائم الحقيقية وما سمّاه الباحثون «اليقظة الدفاعية»، أي الاهتمام بالمعلومات التي قد تساعد على التعرف إلى المخاطر وتجنبها.
كما وجدت دراسة أحدث شملت مئات المشاركين أن النساء أبلغن عن استهلاك أعلى لمحتوى الجرائم الحقيقية، مع ظهور دافع «اليقظة الدفاعية» بشكل أكبر لديهن. لكن الباحثين يؤكدون أن العلاقة بين الجنس، والخوف من الجريمة، والدوافع النفسية لا تزال معقدة ولا يمكن اختزالها في تفسير واحد.
هل تساعد قصص الجرائم على الشعور بالأمان؟
قد يبدو الأمر متناقضاً: لماذا يشاهد شخص محتوى يثير الخوف بحثاً عن الشعور بالأمان؟
أحد التفسيرات المطروحة هو أن متابعة تفاصيل الجريمة تمنح المشاهد فرصة لتحليل ما حدث، والتعرف إلى سلوكيات أو إشارات تحذيرية، وفهم الطريقة التي تطورت بها الأحداث. وبالنسبة لبعض النساء، قد يمنح ذلك شعوراً أكبر بالاستعداد لمواجهة مخاطر محتملة.
لكن هذا لا يعني أن كل امرأة تتابع الجرائم الحقيقية تفعل ذلك بهدف حماية نفسها. فالدراسات تشير أيضاً إلى دوافع أخرى، من بينها الفضول، والإثارة، والرغبة في فهم السلوك الإجرامي، إضافة إلى البحث عن تفسير أو نهاية لقصة تبدو غامضة.
الخوف في مساحة آمنة
يطرح محتوى True Crime تجربة مختلفة عن مواجهة الخطر في الحياة الواقعية. فالمشاهد يعرف أنه يتابع حادثة وقعت بالفعل، لكنه يعيش تفاصيلها من مكان آمن، ما قد يسمح له بالتعامل مع مشاعر الخوف والغضب والقلق ضمن إطار يمكن التحكم به.
ويرى تحليل Psychology Today أن هذا النوع من المحتوى قد يلبي احتياجات مرتبطة بالفهم، والشعور بالسيطرة، وتنظيم الانفعالات، والتواصل الاجتماعي.
كما أن منصات البودكاست والمحتوى الرقمي جعلت متابعة الجرائم الحقيقية تجربة أكثر قرباً وشخصية، مع مجتمعات من المتابعين يناقشون القضايا ويتبادلون التحليلات والتجارب.
ليس كل شيء متعلقاً بالسلامة
وفي المقابل، تحذر بعض الأبحاث من اختزال اهتمام النساء بالجرائم الحقيقية في فكرة «التعلم من أجل الحماية».
فدراسة نُشرت عام 2025 اعتمدت على مقابلات مع 18 امرأة تابعت هذا النوع من البرامج، ووجدت أن المشاهدات لا يتعاملن معه فقط باعتباره وسيلة للحصول على نصائح للسلامة، بل يناقشن أيضاً قضايا أخلاقية تتعلق بالضحايا، والمسؤولية، وطريقة تقديم الجرائم للجمهور.
وهنا تظهر مسألة أخرى: كيف يمكن متابعة قصص الجرائم الحقيقية من دون تحويل معاناة الضحايا إلى مجرد مادة للترفيه؟
عندما تتحول الجريمة إلى محتوى
مع اتساع صناعة الجرائم الحقيقية، تزداد الأسئلة حول طريقة تقديم هذه القصص، خصوصاً عندما تتداخل المعلومات الواقعية مع إعادة التمثيل والدراما والمبالغة.
وتشير Psychology Today إلى أن الاستهلاك المكثف لهذا النوع من المحتوى قد يجعل بعض المشاهدين يبالغون في تقدير مستوى الخطر المحيط بهم، خصوصاً مع التكرار المستمر للقصص العنيفة عبر الخوارزميات والمنصات الرقمية.
لذلك، قد لا تكون الإجابة عن سؤال لماذا تحب النساء الجرائم الحقيقية؟ مرتبطة بسبب واحد. بالنسبة إلى بعض المتابعات، قد يكون الأمر فضولاً، ولأخريات محاولة لفهم السلوك البشري أو الشعور بالاستعداد، بينما يجد آخرون في هذا المحتوى مساحة للنقاش والتواصل.
وفي النهاية، يبقى تأثير متابعة الجرائم الحقيقية مرتبطاً أيضاً بطريقة استهلاكها، ونوع المحتوى، ومدى ارتباطه بتجارب المشاهد ومخاوفه الشخصية.
