تواجه مدارس الجنوب اللبناني تحديات كبيرة مع اقتراب موعد بدء العام الدراسي الجديد، في ظل استمرار استخدام عشرات المدارس الحكومية كمراكز لإيواء النازحين، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالعديد من المؤسسات التعليمية جراء الحرب.

وبحسب تقرير نشرته وكالة “رويترز“، لا يزال آلاف الأطفال النازحين من بلداتهم في جنوب لبنان يعيشون في مدارس تحولت من مؤسسات تعليمية إلى ملاجئ، في وقت تستعد فيه وزارة التربية لبدء العام الدراسي في 15 سبتمبر/أيلول.

وتضع هذه الظروف آلاف العائلات أمام سؤال صعب: أين سيذهب النازحون الذين ما زالوا يقيمون داخل المدارس، وكيف سيتمكن الأطفال من استكمال تعليمهم بعد سنوات من الانقطاع والاضطراب؟

مدارس تحولت إلى ملاجئ للنازحين

مدارس تحولت إلى ملاجئ للنازحين
مدارس تحولت إلى ملاجئ للنازحين

في جنوب لبنان، لم تعد بعض المدارس الحكومية تؤدي وظيفتها التعليمية المعتادة، بعدما تحولت إلى أماكن لإيواء العائلات التي اضطرت إلى مغادرة بلداتها نتيجة الغارات والعمليات العسكرية.

وفي إحدى المدارس الحكومية في مدينة صور، تعيش نحو 200 عائلة، من بينها عائلة نجاح عمار، البالغة من العمر 62 عاماً، والتي نزحت من قرية المنصوري الساحلية.

تواجه نجاح مشكلة مزدوجة مع اقتراب افتتاح المدارس: تأمين مكان جديد للسكن، وضمان قدرة أحفادها على العودة إلى التعليم بعد سنوات من الانقطاع.

وتقول إن حفيدتها البالغة من العمر ثماني سنوات بقيت في الصف الثاني نتيجة الظروف التي حالت دون انتظامها في الدراسة، مضيفة أن العائلة لا تعرف كيف ستتمكن من تعويض ما فاتها من تعليم.

وتعكس هذه القصة واقعاً يعيشه عدد كبير من الأطفال في مدارس الجنوب اللبناني، حيث أصبح استمرار الدراسة مرتبطاً بشكل مباشر بمصير العائلات النازحة ومكان إقامتها.

عائلات تخشى تكاليف العام الدراسي

عائلات تخشى تكاليف العام الدراسي
عائلات تخشى تكاليف العام الدراسي

لا تقتصر المخاوف التي تواجه النازحين على تأمين المسكن، إذ تبرز أيضاً مشكلة تكاليف العودة إلى المدارس، بما في ذلك الكتب والقرطاسية والزي المدرسي وغيرها من المستلزمات.

وتقول رولا العوض، وهي أم لطفلين نزحت من المنصوري، إن مستواها التعليمي لا يسمح لها بمساعدة ابنتها على التعلم عبر الإنترنت، لكنها تحاول إبقاء الطفلين على اتصال بالدراسة من خلال توفير القلم والورقة لهما.

وتقيم رولا في شقة، لكنها تصطحب طفليها إلى إحدى مدارس صور للعب، فيما تأمل أن يتمكنا من التسجيل والعودة إلى التعليم مع بداية العام الدراسي.

لكن القدرة على تحمل تكاليف المدرسة تبقى مصدر قلق بالنسبة إليها، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر النازحة.

وتقول إن أمنيتها الأساسية أن يكون المستقبل أفضل للأطفال، وأن يتمكنوا من عيش طفولتهم بشكل طبيعي بعيداً عن الحرب والنزوح والخوف.

أطفال يحاولون انتزاع لحظات من الفرح

أطفال يحاولون انتزاع لحظات من الفرح
أطفال يحاولون انتزاع لحظات من الفرح

أما زينب موسى، البالغة من العمر 56 عاماً، فتعيش مع أبنائها وأحفادها في خيام داخل قاعة مدرسية تحولت إلى مركز إيواء.

وتقول إن الأطفال لا يحصلون سوى على لحظات قصيرة من الترفيه، عندما تأتي جمعيات لتنظيم أنشطة لهم، قبل أن يعودوا إلى واقع النزوح القاسي.

وتكشف شهادات الأهالي عن جانب آخر من أزمة التعليم، إذ لا تتعلق المشكلة فقط بفقدان الصفوف الدراسية، بل أيضاً بفقدان البيئة الطبيعية التي يحتاجها الطفل للنمو والتعلم واللعب.

فالطفل الذي كان يملك منزلاً وغرفة وألعاباً ومدرسة، يجد نفسه اليوم في بيئة مؤقتة، فيما تتحول مدارس الجنوب اللبناني في الوقت نفسه إلى مأوى للسكن ومكان للعب، بدلاً من أن تكون مساحة مخصصة للتعليم.

وزارة التربية: إخلاء نحو نصف المدارس المستخدمة للإيواء

وزارة التربية: إخلاء نحو نصف المدارس المستخدمة للإيواء
وزارة التربية: إخلاء نحو نصف المدارس المستخدمة للإيواء

وفي تطور مرتبط بالعام الدراسي الجديد، قالت وزارة التربية اللبنانية لـ”رويترز” إن نحو 80 مدرسة عامة لا تزال تستخدم لإيواء النازحين، رغم اقتراب موعد افتتاح المدارس.

وأوضحت الوزارة أن ما يقرب من نصف هذه المدارس جرى إخلاؤه بالفعل، بما يسمح بفتح أبوابه أمام الطلاب مع انطلاق العام الدراسي.

ومن المتوقع أن تفتح نحو 30 مدرسة أبوابها بشكل جزئي، بالتزامن مع استمرار استضافة نازحين داخلها، بينما ستبقى تسع مدارس مستخدمة بالكامل كمراكز للإيواء.

وتشكل هذه الأرقام تحدياً كبيراً أمام وزارة التربية، التي تحاول إعادة تشغيل المؤسسات التعليمية في الوقت الذي لا تزال فيه بعض العائلات غير قادرة على العودة إلى بلداتها.

عشرات المدارس تعرضت للدمار والأضرار

عشرات المدارس تعرضت للدمار والأضرار
عشرات المدارس تعرضت للدمار والأضرار

مدارس الجنوب بين الإيواء والتعليم.. آلاف الأطفال أمام عام دراسي غامض مدارس الجنوب بين الإيواء والتعليم.. آلاف الأطفال أمام عام دراسي غامض

ولا تتوقف أزمة مدارس الجنوب اللبناني عند المدارس المستخدمة للإيواء، إذ تعرضت عشرات المدارس في لبنان للدمار أو لأضرار جسيمة خلال الحرب.

وبحسب وزارة التربية، تضررت 50 مدرسة عامة بشكل كبير أو تعرضت للدمار، في حين أصابت أضرار طفيفة أكثر من 200 مدرسة أخرى.

وتعني هذه الأضرار أن التحدي أمام القطاع التعليمي لن ينتهي بمجرد إخلاء المدارس من النازحين، إذ تحتاج المؤسسات المتضررة إلى أعمال إصلاح وتأهيل قبل أن تتمكن من استعادة قدرتها الكاملة على استقبال الطلاب.

وقالت الأمم المتحدة إن الأضرار التي لحقت بالمدارس ستؤثر سلباً على العام الدراسي الجديد بالنسبة إلى ما لا يقل عن 100 ألف طفل.

كما أعلن الجيش اللبناني في الشهر الماضي أن القوات الإسرائيلية فجرت مدرسة حكومية وروضة أطفال في بلدة زوطر الشرقية، في تطور يعكس حجم الأضرار التي طالت المنشآت التعليمية في المناطق المتأثرة بالحرب.

التعليم أمام اختبار صعب

التعليم أمام اختبار صعب
التعليم أمام اختبار صعب

ومع اقتراب موعد بدء الدراسة، تقف مدارس الجنوب اللبناني أمام اختبار يتجاوز مسألة فتح الأبواب أمام الطلاب.

فالعودة إلى التعليم تحتاج إلى مدارس آمنة ومجهزة، وعائلات قادرة على تحمل الأعباء المالية، وأطفال قادرين على استعادة انتظامهم الدراسي بعد فترات طويلة من الانقطاع والنزوح.

وبينما تعمل وزارة التربية على إعادة فتح المدارس التي يمكن تشغيلها، يبقى مستقبل آلاف الأطفال مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات الرسمية والجهات الإنسانية على توفير حلول متزامنة للسكن والتعليم.

وفي الوقت الذي تحاول فيه العائلات النازحة الحفاظ على أملها بمستقبل أفضل لأطفالها، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح المدارس في العودة إلى دورها الطبيعي كأماكن للتعلم، أم يستمر بعضها في أداء وظيفة المأوى على حساب حق الأطفال في التعليم؟

إن مصير مدارس الجنوب اللبناني أصبح اليوم جزءاً أساسياً من أزمة النزوح والتعليم معاً، في ظل حاجة آلاف الأطفال إلى بيئة مستقرة تساعدهم على استعادة سنوات دراسية ضاعت وسط الحرب.

شاركها.