لبنان في مرمى التنافس السعودي – الإماراتي
لم يعد الخلاف السعودي – الإماراتي مجرّد تباين في المقاربات السياسية، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى صراع نفوذ مفتوح يتنقّل بين ساحات إقليمية متعددة، من اليمن والسودان إلى الصومال وسوريا. هذا التمدّد بدأ يترك ارتداداته على دول ليست طرفاً مباشراً في النزاع، لكنها تحتل موقعاً حساساً في ميزان التوازنات، وفي مقدّمها لبنان.
تنظر الرياض إلى لبنان بوصفه ساحة يجب تحصينها ضمن نفوذها السياسي، لا تركها عرضة لتقاطعات الصراع. إلا أنّ أداء الدولة اللبنانية وحلفاء السعودية فيها أثار امتعاضاً متزايداً، عبّر عنه الموفد السعودي يزيد بن فرحان خلال لقاءاته مع مسؤولين سياسيين وأمنيين، منتقداً ما وصفه بـ«الحياد السلبي» في ملفات تعتبرها المملكة جزءاً من أمنها القومي.
وتشير أوساط دبلوماسية إلى أنّ الاستياء السعودي تفاقم بعد امتناع لبنان عن التوقيع على بيانات عربية وإسلامية مرتبطة بملف «أرض الصومال»، وغياب أي موقف داعم للرياض في التوتر السعودي – الإماراتي في اليمن. كما سُجّل غياب وزير الخارجية يوسف رجّي عن اجتماعات دولية حساسة، ما فُسّر في الرياض على أنه تهرّب سياسي لا حياد دبلوماسي.
وبحسب التقييم السعودي، فإن هذا السلوك يعكس خللاً أعمق، وسط شكوك بوجود تأثير إماراتي مباشر أو غير مباشر داخل الدبلوماسية اللبنانية، وانطباع بأنّ أبو ظبي نجحت في بناء شبكة علاقات سياسية وإعلامية وأمنية واسعة داخل لبنان، تمتد إلى قوى تقليدية وشخصيات تغييرية، وتصل تأثيراتها إلى محيط الرئاسة.
في المقابل، ترى الرياض أنّ هذا النفوذ الإماراتي قيّد حلفاءها المحليين ومنعهم من اتخاذ مواقف واضحة، باستثناء موقف وليد جنبلاط الذي سُجّل كحالة خروج عن هذا الصمت. ويأتي ذلك في وقت تركز فيه السعودية على منع نقل التنافس مع أبو ظبي إلى المشرق العربي، وخصوصاً إلى لبنان وسوريا، لما لهما من أهمية استراتيجية في مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ.
ضمن هذا السياق، أعادت المملكة تنشيط عمل «اللجنة الخماسية» الخاصة بالملف اللبناني، مع تعزيز التنسيق مع قطر ومصر، في محاولة لتوسيع المظلّة العربية تحت السقف السعودي. كما شمل التعاون السعودي – القطري نقاشاً مباشراً حول سبل الحد من النفوذ الإماراتي في لبنان، سياسياً وإعلامياً.
وتشير معطيات إضافية إلى انتقال هذا الصراع إلى المجال الإعلامي، مع إجراءات سعودية تهدف إلى تقليص تأثير أبو ظبي على إعلاميين لبنانيين يعملون في مؤسساتها، في موازاة ترقّب نتائج تحقيقات تتعلق بملفات أمنية حساسة.
في المحصلة، تسعى السعودية إلى تثبيت معادلة واضحة: لبنان ليس ساحة حياد في صراع النفوذ الخليجي، بل موقع استراتيجي يجب ضبطه ومنع تحوّله إلى نقطة ارتكاز لمنافس إقليمي في لحظة شديدة الحساسية
