بقلم: فاطمة الدر- خاص مركز بيروت للأخبار 

في وقتٍ قضت فيه المحكمة الإدارية في مدينة نيس الفرنسية بـ إلغاء حظر البوركيني على شاطئ منتجع ماندليو-لا-نابول، معتبرةً أن هذا الحظر ينتهك حرية التنقل وحرية الضمير والحرية الشخصية، لا تزال محجبات في لبنان يواجهن قرارات منع في بعض المنتجعات بسبب نوع اللباس الذي اخترنه.

ويعيد هذا القرار الفرنسي فتح النقاش حول حرية ارتداء البوركيني في لبنان، خصوصاً في ظل استمرار الجدل المحلي حول حدود الحرية الشخصية وحق الأفراد في اختيار ملابسهم داخل الأماكن العامة والخاصة.

القرار الفرنسي فتح النقاش حول حرية ارتداء البوركيني في لبنان
القرار الفرنسي فتح النقاش حول حرية ارتداء البوركيني في لبنان

ولم تكتفِ المحكمة بإلغاء القرار، بل أكدت أن البلدية لم تقدّم أي دليل يثبت أن البوركيني يشكل خطراً على النظام العام أو على سلامة مرتادي الشاطئ، لتسقط بذلك واحدة من أكثر الحجج استخداماً لتبرير المنع.

المفارقة أن الجدل في لبنان لا يزال يدور حول قطعة قماش، أكثر مما يدور حول معنى الحرية نفسها.

لطالما قيل إن لبنان بلد الحريات، وإنه مساحة للتنوع والانفتاح والتعايش. هكذا تعلّمنا، وهكذا قُدِّم لبنان للعالم. فمن يزره يرى الكنائس إلى جانب المساجد، ويلمس تنوعاً ثقافياً ودينياً قلّما يجتمع في بلدٍ واحد، ويرى شعباً اعتاد أن يعيش رغم اختلافاته.

لكن هذه الصورة تصطدم أحياناً بواقعٍ مختلف. واقعٌ تتحول فيه القناعات الشخصية إلى قواعد، وتصبح فيه الأعراف أقوى من القانون، فيُمنع شخص من دخول مكان بسبب لباسه، لا بسبب سلوكه، وكأن الحرية تُقاس بمدى توافق خيارات الآخرين مع قناعاتنا.

حرية ارتداء البوركيني في لبنان بين القانون والعادات الاجتماعية

حرية ارتداء البوركيني في لبنان بين القانون والعادات الاجتماعية
حرية ارتداء البوركيني في لبنان بين القانون والعادات الاجتماعية

ففي كل صيف، يتكرر الجدل نفسه. تُمنع محجبات من دخول بعض المسابح أو يُطلب منهن المغادرة بسبب ارتداء البوركيني، في وقتٍ لا يوجد فيه نص قانوني يجرّم هذا اللباس أو يعتبره خطراً على الصحة أو السلامة العامة.

ولا تتوقف المفارقة هنا.

فعندما تُمنع امرأة من ارتداء لباسٍ يعتبره البعض أكثر تحرراً، ترتفع الأصوات دفاعاً عن الحرية والحقوق الشخصية، وتتحول القضية إلى عنوان للنقاش العام. أما عندما تختار امرأة لباساً أكثر احتشاماً، تتبدل اللهجة، ويختفي كثير من هذا الخطاب، وكأن الحرية تصبح مرتبطة بنوع الخيار، لا بحق الإنسان في أن يختار.

والأكثر غرابة أن دولةً مثل فرنسا، التي خاضت لسنوات طويلة نقاشات حادة حول الرموز الدينية، انتهت محكمتها إلى التأكيد أن المنع يحتاج إلى مبررات قانونية وأدلة فعلية، لا إلى افتراضات أو انطباعات شخصية. بينما لا يزال البعض في لبنان يتعامل مع “العرف” وكأنه يعلو على القانون، ويمنحه سلطة تقرير ما يجوز للآخرين ارتداؤه وما لا يجوز.

قد يختلف الناس في الأذواق والقناعات وأنماط الحياة، وهذا حق طبيعي. لكن هذا الاختلاف لا يمكن أن يتحول إلى سبب للإقصاء أو المنع، لأن الحرية لا تُختبر عندما نحمي الخيارات التي تشبهنا، بل عندما نحترم الخيارات التي لا تشبهنا، ما دامت لا تمسّ حقوق الآخرين.

جدل البوركيني وحرية اللباس في لبنان

جدل البوركيني وحرية اللباس في لبنان
جدل البوركيني وحرية اللباس في لبنان

فالحرية لا تتجزأ، ولا تتبدل بتبدل نوع اللباس. وإذا كنا نطالب بحق الإنسان في أن يرتدي ما يشاء، فعلينا أن ندافع عن هذا الحق عندما يختار الاحتشام كما ندافع عنه عندما يختار غير ذلك.

إن حرية ارتداء البوركيني في لبنان ليست مجرد نقاش حول لباس أو مظهر خارجي، بل هي جزء من نقاش أوسع حول مفهوم الحرية الشخصية واحترام خيارات الآخرين داخل المجتمع.

وإلا، فلن تكون المشكلة في البوركيني… بل في فهمنا لمعنى الحرية.

شاركها.