غزة بلا هوية: إعمار مشروط بنزع السياسة والسلاح

بكشفه ملامح «الخطة المستقبلية لإعادة إعمار غزة»، استكمل جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره، رسم الصورة التي تريدها واشنطن للقطاع: إنهاء الصراع عبر بوابة الاقتصاد والاستثمار، مقابل تجريد غزة من بعدها السياسي والتاريخي، وفصلها عن القضية الفلسطينية. الإعلان جاء خلال إطلاق «مجلس السلام» على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث غابت كلياً مفردات الحقوق الوطنية وحق العودة، وحضرت بدلاً منها رؤية لمدينة «ذكية» وسياحية، مليئة بالأبراج وناطحات السحاب، تُبنى لشعب يُراد له أن يتحوّل إلى قوة عمل بلا هوية ولا ذاكرة.

الخطة، الممتدة حتى عام 2035، تهدف – بحسب كوشنر – إلى تحويل غزة إلى مركز اقتصادي إقليمي، عبر استثمارات تفوق 25 مليار دولار خلال عشر سنوات، يُفترض الإعلان عنها في مؤتمر دولي قريب في واشنطن. وتشمل إنشاء ميناء ومطار، وشبكات طرق وسكك حديد، وتطوير الساحل ليضم نحو 180 برجاً سكنياً وتجارياً، إضافة إلى مجمعات سكنية وصناعية ومراكز بيانات في الداخل. ويقدَّم هذا كله على أنه «فرصة أمل»، فيما يُختزل الفلسطينيون في توصيف «الفقراء» الذين سيصبحون «أغنياء»، وتُختزل أرضهم في «مساحة استثمار واعدة».

لكن خلف الواجهة الاقتصادية، تبرز الشروط السياسية والأمنية بوضوح. إذ تربط الخطة إعادة الإعمار بنزع سلاح المقاومة بالكامل، بحيث لا يبدأ البناء في أي منطقة قبل التأكد من خلوّها من السلاح. ووفق هذا المسار، تكون البداية من مناطق «الخط الأصفر»، ولا سيما رفح الخاضعة لسيطرة الاحتلال، ثم التدرّج نحو باقي المناطق. وتنص الخطة على سحب السلاح الثقيل فوراً، وجمع السلاح الخفيف تدريجياً عبر قوة شرطة فلسطينية جديدة تخضع لفحص أمني تشارك فيه إسرائيل والولايات المتحدة، مع طرح سيناريوهات للعفو أو إعادة الدمج أو «الخروج الآمن» لبعض قادة «حماس».

وفي هذا السياق، تحدّثت وسائل إعلام عبرية عن تفاهمات ناشئة بين واشنطن و«حماس» حول نزع السلاح، تشمل التمييز بين الثقيل والخفيف، وربما تسليم خرائط الأنفاق. وفي أول تعليق لها، رأت «حماس» أن إطلاق «مجلس السلام» يعكس اهتماماً دولياً بتثبيت وقف إطلاق النار، داعية إلى دور عربي وإسلامي فاعل، وإلى الضغط على الاحتلال لوقف خروقاته وفتح المعابر، ومعتبرة أن إسرائيل تتعمّد إفشال أي مسار سلام.

أما في كيان الاحتلال، فقد فجّر الإعلان نقاشاً داخلياً حاداً، خصوصاً بعد حديث كوشنر عن فتح معبر رفح، في خطوة كُسرت فيها محظورات كان يتمسّك بها بنيامين نتنياهو. واعتبر مسؤولون وخبراء إسرائيليون أن ما يجري يقيّد إسرائيل سياسياً وأمنياً على المدى الطويل، ويكشف فشل إدارتها للحرب، فيما تبقى المشكلة الإسرائيلية الحقيقية هي «كيف نربح أكثر»، لا «كيف نوقف الخسائر».

في المحصّلة، تُقدَّم لغزة خطة إعمار مشروطة، عنوانها الاستثمار مقابل نزع السلاح والهوية، في وقت لا يزال فيه القطاع تحت التهديد اليومي بالعودة إلى الإبادة، فيما يُطلب من أهله «الهدوء» ثلاثين يوماً، تمهيداً لمدينة جديدة لا تشبههم ولا تشبه تاريخهم.

شاركها.