الرصد الإخباري – خاص مركز بيروت للأخبار
بقلم: مبارك بيضون
تتجه الأنظار اليوم إلى علي الطاهر في ظل تطورات ميدانية تفتح باباً واسعاً أمام سؤال جوهري: هل استطاع الجيش الإسرائيلي فرض سيطرة فعلية على الموقع، أم أن ما يُسوَّق إسرائيلياً على أنه “سيطرة” لا يتجاوز عملية عسكرية محدودة أو دخولاً مؤقتاً؟ فالمسألة لا تتعلق بمجرد الوصول إلى الموقع، بل بما إذا كان الجيش الإسرائيلي تمكن من البقاء فيه وتثبيت وجوده وفرض أمر واقع عسكري مستدام.
ومن هنا، فإن علي الطاهر تتحول إلى قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والميدان، لتصبح جزءاً من صراع الروايات بين ما تعلنه تل أبيب وما تسمح الوقائع الميدانية بإثباته.
فهل كانت السيطرة على علي الطاهر نيةً أو هدفاً إسرائيلياً معلناً، أم أن الجيش الإسرائيلي استطاع فعلًا دخولها والبقاء فيها والسيطرة عليها بصورة كاملة؟ وهل نحن أمام إنجاز عسكري حقيقي، أم أمام صورة يجري تضخيمها وتوظيفها سياسياً وإعلامياً داخل إسرائيل؟
هنا تبرز فرضية أخرى تستحق البحث: هل يحمل الإعلان الإسرائيلي بعداً عسكرياً فقط، أم أن توقيته يسمح أيضاً بتوظيفه سياسياً داخل إسرائيل؟
فما يجري قد يكون محاولة من تل أبيب للاستفادة من أي تطور ميداني، مهما كان محدوداً، في مواجهة الأزمة الداخلية التي تعيشها حكومة بنيامين نتنياهو. إذ إن الوضع الإسرائيلي ليس بعيداً عن الحسابات السياسية الداخلية، وأي إنجاز عسكري يمكن تقديمه للرأي العام قد يتحول إلى ورقة سياسية، خصوصاً إذا كان من شأنه خلق انطباع بأن الحكومة استطاعت تحقيق مكاسب على الأرض.
والانتخابات، في هذه الحسابات، ليست بالضرورة آخر الأهداف.
فإسرائيل تخوض منذ نحو ثلاثة أعوام، منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول 2023 وما تلاها من فتح الجبهة اللبنانية في 8 تشرين الأول، مساراً عسكرياً وأمنياً وسياسياً معقداً، فيما لم تتحول مستويات الدمار والخراب الهائلة التي ألحقتها بالقرى والبلدات إلى مكسب سياسي حاسم يمكنها من فرض أمر واقع نهائي. وبينما تتواصل الاعتداءات اليومية على المدنيين، تتحرك تل أبيب أيضاً في مسارات دبلوماسية تتقاطع مع الجهود الأمريكية الرامية إلى إدارة التصعيد ومنع انفلاته.
وفي هذا السياق، برزت قضية المعتقلين اللبنانيين المدنيين، التي اكتسبت بعداً دبلوماسياً، في ظل ضغوط أمريكية من أجل الإفراج عن المعتقلين الذين لا علاقة لهم بالعمل العسكري، في محاولة لتثبيت مسار تفاوضي يوازي المسار الميداني.
ومع ذلك، يبقى السؤال: ماذا حققت إسرائيل فعلياً؟
حتى الآن، يمكن القول إن إسرائيل حققت قدرة واسعة على التدمير وإلحاق الأذى بالبيئة المدنية، لكنها لم تتمكن، وفق هذه القراءة، من تحويل هذا التفوق الناري إلى مكسب سياسي نهائي يفرض شروطها كاملة على لبنان أو المقاومة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من استراتيجية الضغط التي تمارسها تل أبيب: تدمير القرى والبلدات، واستنزاف البيئة الحاضنة للمقاومة، ومحاولة دفعها إلى التململ، وصولاً إلى خلق ضغط اجتماعي وسياسي على قيادة المقاومة، بحيث يتحول الخلاف حول الحرب والسلاح إلى عامل ضغط داخلي.
والرهان الإسرائيلي، وفق هذه الفرضية، يقوم على أن يؤدي تراكم الأضرار والخسائر إلى دفع البيئة الحاضنة للمقاومة إلى المطالبة بالتنازل، ثم انتقال الضغط تدريجياً إلى قيادة الحزب، وصولاً إلى ما هو أبعد من ذلك: تسليم السلاح والانكفاء النهائي عن المعادلة العسكرية والسياسية.
لكن هذا الرهان لم ينتج حتى الآن النتيجة التي يُفترض أن تكون تل أبيب قد أرادتها.
في المقابل، تمارس المقاومة تكتيكاً شديد التعقيد، يصعب على المراقب أن يقرأ كامل أبعاده من خلال المشهد الظاهر فقط. فهي لا تبدو ذاهبة إلى مواجهة مفتوحة غير محسوبة، ولا تبدو في الوقت نفسه مستعدة لتقديم تنازل سياسي واضح.
وهنا تكمن المفارقة.
فالمقاومة، بحسب هذه القراءة، تتحرك تحت المجهر، وتعمل على إعادة ترتيب أوراقها والتعافي تدريجياً، فيما تحاول في الوقت نفسه الاستفادة من المسار الدبلوماسي ووقف إطلاق النار، بدل الانجرار إلى حرب شاملة قد تكون كلفتها أكبر على المدنيين والبيئة اللبنانية.
وإذا كان وقف إطلاق النار هشاً وضعيفاً وقابلاً للاهتزاز، فإنه يبقى، حتى الآن، إحدى الأدوات التي تسمح بتجنيب المدنيين خسائر أكبر. وهذا بحد ذاته يمكن اعتباره مكسباً لدى شريحة واسعة من المجتمع اللبناني التي تريد وقف الحرب وتقليل حجم الدمار والخسائر.
لذلك، فإن علي الطاهر ليست مجرد نقطة عسكرية.
إنها اختبار للرواية الإسرائيلية نفسها: هل تستطيع إسرائيل أن تقول إنها سيطرت، ثم تثبت أنها بقيت؟ وهل تستطيع تحويل الدخول إلى الموقع إلى انتشار ثابت؟ وهل تستطيع تحويل الانتشار إلى أمر واقع؟ ثم، الأهم، هل تستطيع تحويل الأمر الواقع العسكري إلى مكسب سياسي؟
فهنا تحديداً تكمن القضية.
قد تتباهى تل أبيب بما تعتبره إنجازاً ميدانياً، وقد تحاول حكومة نتنياهو توظيفه داخلياً، لكن الحسم لا يكون بالبيانات ولا بالصور ولا بالخطاب السياسي. الحسم يكون بقدرة الجيش على الدخول، والبقاء، والتحصين، وتأمين الموقع، ومنع استعادته، ثم تحويل ذلك كله إلى نتيجة سياسية مستدامة.
وحتى يتحقق ذلك، يبقى علي الطاهر عنواناً لـنزاع خارج الواقع المعلن، أو بالأحرى نزاع على توصيف الواقع نفسه: هل نحن أمام سيطرة إسرائيلية فعلية، أم أمام عملية عسكرية يجري تقديمها على أنها أكبر مما هي عليه؟
السؤال مفتوح، والميدان وحده قادر في النهاية على إعطاء الإجابة.
