الرصد الإخباري – مركز بيروت للأخبار
بعد سنوات من الوعود والخطط التي لم تنجح في إنهاء أزمة الكهرباء في لبنان، يعود ملف الطاقة إلى الواجهة مع إعلان تعاون لبناني قطري جديد، يتضمّن مشاريع لإنتاج الكهرباء واستيراد الغاز الطبيعي وتطوير مصادر الطاقة المتجددة.
لكن هذه المرة، لا تقتصر الخطط المطروحة على إنشاء محطة كهرباء أو تأمين شحنات وقود مؤقتة، بل تشمل برنامجًا استثماريًا واسعًا قد يُحدث تغييرًا في قطاع الكهرباء اللبناني، في حال استكمال الموافقات وتنفيذ المشاريع وفق الجداول المقترحة.
وبين الحديث عن محطتين جديدتين لتوليد الكهرباء، واتفاق لتوريد الغاز لمدة 20 عامًا، ومشاريع للطاقة الشمسية والرياح، يبرز السؤال الذي يشغل اللبنانيين: متى تنعكس هذه الخطط على ساعات التغذية الكهربائية وفواتير المولدات؟
قطر تدخل على خط أزمة الكهرباء في لبنان
خلال زيارة رسمية إلى بيروت في 16 تشرين الأول 2026، أعلن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني التوجّه نحو تطوير تعاون واسع مع لبنان في قطاع الطاقة.
وجاء الإعلان عقب لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين، وفي مقدّمهم رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام.
وبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، يشمل التعاون تطوير قطاع الكهرباء اللبناني، إلى جانب مشروع للطاقة الشمسية بالتعاون بين قطر للطاقة وشركة توتال إنرجيز الفرنسية.
وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أن قطر ستتولى تمويل المشروع الكهربائي وتنفيذه وتشغيله، من دون تحميل الخزينة اللبنانية كلفة استثمارية مسبقة.
ويشكّل هذا الإعلان خطوة في مسار التعاون بين البلدين، لكنه لا يعني أن جميع المشاريع دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي.
محطتان جديدتان في دير عمار والزهراني
في 19 تشرين الأول، كشفت وكالة رويترز تفاصيل وثيقة تتضمن مقترحًا قطريًا لتطوير قطاع الكهرباء في لبنان.
ووفق الوثيقة، تشمل الخطة إنشاء محطتين جديدتين لتوليد الكهرباء تعملان بالغاز الطبيعي وفق نظام الدورة المركبة، الذي يتيح الاستفادة من الحرارة الناتجة عن تشغيل التوربينات لزيادة كفاءة الإنتاج.
وتتوزع المحطتان المقترحتان على منطقتين:
- دير عمار شمال لبنان: محطة بقدرة 825 ميغاواط.
- الزهراني جنوب لبنان: محطة بقدرة 825 ميغاواط.
وبذلك، تبلغ القدرة الإنتاجية الإجمالية المخططة للمحطتين نحو 1650 ميغاواط.
ومن شأن إضافة هذه القدرة، في حال تنفيذ المشروع وتشغيله، تعزيز إمكانات إنتاج الكهرباء في لبنان، الذي يعاني منذ سنوات من نقص التغذية والاعتماد الواسع على المولدات الخاصة.
الغاز القطري لمدة 20 عامًا… ماذا يتضمن الاتفاق المقترح؟
لا تقتصر الخطة على بناء معامل جديدة، بل تشمل أيضًا تأمين مصادر الوقود اللازمة لتشغيلها.
وبحسب التفاصيل التي نشرتها الجزيرة نقلًا عن رويترز، يتضمن المقترح اتفاقًا لتوريد الغاز الطبيعي المسال إلى لبنان لمدة 20 عامًا.
وتشمل البنية التحتية المقترحة وحدة عائمة لتخزين الغاز وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، بطاقة تصل إلى 3.5 ملايين متر مكعب يوميًا.
كما تتضمن الخطة الاستفادة من خط الغاز العربي عبر سوريا، بطاقة تصل إلى 4.5 ملايين متر مكعب يوميًا.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن تشغيل معامل الكهرباء يحتاج إلى إمدادات مستقرة من الوقود، وليس إلى توفير القدرة الإنتاجية وحدها.
لكن الاتفاق المقترح لتوريد الغاز لا يزال جزءًا من الخطة الاستثمارية التي تتطلب استكمال الإجراءات والموافقات اللازمة.
الطاقة الشمسية والرياح ضمن الخطة القطرية
إلى جانب المعامل العاملة بالغاز، تتضمن الخطة توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
ووفق الوثيقة التي اطّلعت عليها رويترز، تشمل المشاريع المقترحة:
- إنشاء محطات للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ 800 ميغاواط.
- تطوير مشاريع لطاقة الرياح بقدرة 440 ميغاواط.
- إنشاء أنظمة لتخزين الكهرباء باستخدام البطاريات.
- استجرار الكهرباء من سوريا بقدرة أولية تبلغ 300 ميغاواط.
وتسعى هذه المشاريع إلى تنويع مصادر إنتاج الكهرباء، بدل الاعتماد على مصدر واحد للطاقة.
وفي السياق نفسه، كشف وزير الطاقة والمياه جو الصدي، في حديث إلى قناة MTV، عن مشروع للطاقة الشمسية تعتزم قطر للطاقة تنفيذه على أرض مخصصة للجيش اللبناني، بقدرة تتراوح بين 100 و150 ميغاواط.
وأوضح أن المشروع حصل على موافقة مجلس الوزراء، في خطوة منفصلة من حيث مستوى الموافقات عن بقية عناصر البرنامج الاستثماري المقترح.
متى تصل الكهرباء إلى المنازل؟
يبقى موعد تحسّن التغذية الكهربائية السؤال الأهم بالنسبة إلى المواطنين الذين يتحمّلون منذ سنوات كلفة الاشتراك بالمولدات الخاصة، إلى جانب فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان.
وبحسب معلومات نشرتها قناة LBCI في 16 تشرين الأول، تتضمن التصورات الأولية للمشروع تأمين 300 ميغاواط من الكهرباء عبر سوريا خلال الأشهر الستة الأولى، على أن ترتفع القدرة المتاحة تدريجيًا وصولًا إلى مستويات أعلى خلال السنوات اللاحقة.
كما نقلت رويترز عن مصدر مطّلع أن تنفيذ البرنامج الاستثماري قد يستغرق نحو ثلاث سنوات، في حال الحصول على الموافقات المطلوبة بسرعة.
لكن هذه المهل تبقى تقديرية ومشروطة باستكمال الإجراءات، ولا تمثّل موعدًا رسميًا مضمونًا لزيادة ساعات التغذية الكهربائية.
كذلك، فإن إضافة قدرات إنتاجية جديدة لا تعني تلقائيًا وصول الكهرباء إلى جميع المناطق بالمستوى نفسه، إذ يرتبط ذلك أيضًا بجهوزية شبكات النقل والتوزيع والقدرة على تشغيل المنظومة بصورة مستقرة.
هل ستنخفض فاتورة المولدات الخاصة؟
يُعدّ تخفيف الاعتماد على المولدات الخاصة أحد أبرز الأهداف الاقتصادية والاجتماعية لأي خطة لتحسين الكهرباء في لبنان.
فكل زيادة فعلية ومستقرة في ساعات التغذية من مؤسسة كهرباء لبنان يمكن أن تقلّص حاجة المنازل والمؤسسات إلى الكهرباء المنتجة من المولدات.
لكن حجم التوفير الذي قد يحققه المواطن يعتمد على عوامل متعددة، بينها عدد ساعات التغذية الإضافية، والتعرفة الرسمية، وأسعار اشتراكات المولدات، ومستوى استهلاك كل منزل.
ولذلك، لا يمكن في المرحلة الحالية تحديد نسبة لانخفاض فواتير الكهرباء أو المولدات نتيجة المشروع القطري.
هل تتحمّل الدولة اللبنانية كلفة المشروع؟
من أبرز النقاط التي أُعلنت بشأن التعاون الجديد أن قطر ستتولى تمويل المشروع وتنفيذه وتشغيله من دون كلفة استثمارية مسبقة على الخزينة اللبنانية.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الدولة لن تتحمّل أي التزامات مالية مستقبلية.
فبحسب وثيقة البرنامج الاستثماري التي كشفتها رويترز، تعتمد الخطة على استقطاب تمويل من القطاع الخاص وتمويل المشاريع، بينما لا تزال التزامات الدفع والضمانات المالية خاضعة للتفاوض.
ويعني ذلك أن التفاصيل النهائية للتمويل والعقود ستكون أساسية لتقييم الأثر المالي للمشروع على الدولة ومؤسسة كهرباء لبنان.
وزير الطاقة: المشروع حلّ متوسط وطويل الأمد
رغم أهمية الإعلان القطري، شدّد وزير الطاقة والمياه جو الصدي على ضرورة التمييز بين المشاريع الاستثمارية المستقبلية والأزمة الكهربائية الحالية.
ففي موقف أعقب الإعلان عن التعاون مع قطر، اعتبر الصدي أن المقاربة الجديدة تهدف إلى إيجاد حل مستدام لقطاع الكهرباء على المديين المتوسط والطويل.
لكنه أكد في المقابل أن معالجة الأزمة الآنية تتطلب إجراءات حكومية، بينها تسديد فواتير الكهرباء المستحقة على مؤسسات القطاع العام، ومعالجة الالتزامات المالية المرتبطة بإعفاءات الجنوب، وإقرار تعرفة متحركة تساعد على تأمين الوقود.
وتُظهر هذه التصريحات أن المشروع القطري، رغم أهميته، لا يشكّل حلًا فوريًا لمشكلة ساعات التغذية الحالية.
ما الذي يؤخّر تنفيذ المشروع؟
لا تزال الخطة الاستثمارية الشاملة بحاجة إلى موافقة الحكومتين اللبنانية والقطرية، وفق ما نقلته رويترز عن مصدر مطّلع.
كما أن تفاصيل التمويل والضمانات وآليات التنفيذ والتشغيل تحتاج إلى استكمال.
ومن الناحية العملية، يتطلب تنفيذ مشاريع بهذا الحجم إجراءات تتعلق بالعقود والبنية التحتية وتأمين الوقود والربط بالشبكات الكهربائية.
وبالتالي، فإن سرعة الانتقال من مرحلة المقترحات إلى التنفيذ ستكون العامل الأساسي في تحديد موعد استفادة المواطنين.
كهرباء لبنان بين فرصة جديدة وانتظار النتائج
يفتح التعاون القطري بابًا جديدًا أمام قطاع الكهرباء في لبنان، من خلال خطة تشمل إنتاج الطاقة من الغاز، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وتأمين إمدادات طويلة الأمد من الوقود.
وتبرز أهمية المشروع في حجمه وتنوّع مكوّناته، إلى جانب التوجّه نحو تمويل استثماري لا يتطلب إنفاقًا رأسماليًا مسبقًا من الموازنة اللبنانية.
لكن حتى 20 تشرين الأول 2026، لا تزال الخطة الشاملة في مرحلة استكمال الموافقات والترتيبات، ولم يُعلن موعد نهائي ملزم لبدء استفادة المواطنين من كامل المشاريع.
وبين الوعود الاستثمارية والحاجة اليومية إلى الكهرباء، يبقى الاختبار الحقيقي في انتقال الاتفاقات من الأوراق إلى التنفيذ، ثم انعكاسها على ساعات التغذية وكلفة الكهرباء التي يدفعها اللبنانيون.
