«داعش» إلى العراق: نقل الخطر بدل احتوائه

باشرت الحكومة العراقية تنفيذ قرار يقضي بنقل آلاف من عناصر تنظيم «داعش» وأفراد عائلاتهم من السجون الواقعة شمال شرقي سوريا إلى داخل العراق، في عملية تُنفَّذ تحت إجراءات أمنية مشددة وبالتنسيق مع «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة. القرار، الذي أقرّه «مجلس الأمن الوطني»، جاء عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء ترحيل معتقلي التنظيم من سوريا، في ظل تراجع المنظومة الأمنية التي كانت تؤمّنها «قسد»، وما رافق ذلك من عمليات فرار ومخاوف متزايدة من انهيار شامل للسجون هناك.

وبحسب المتحدث العسكري باسم رئيس الوزراء العراقي، صباح النعمان، تسلّم العراق الدفعة الأولى من المعتقلين، وتضم 150 عنصراً من جنسيات عراقية وعربية وأجنبية، جرى نقلهم من سجون «قسد» في محافظة الحسكة. وأكد النعمان أن العملية ستستمر على مراحل، تبعاً للتقدير الأمني، مشيراً إلى أن المرحّلين يُصنَّفون ضمن قيادات الصف الأول في التنظيم، وأن استمرار احتجازهم في سوريا بات يشكّل خطراً فعلياً في ظل التدهور الأمني هناك.

غير أن هذه الخطوة أثارت موجة قلق واسعة في الشارع العراقي، حيث عبّر كثيرون عن خشيتهم من إدخال «قنابل موقوتة» إلى الداخل، محذّرين من تداعيات أمنية خطيرة، ومن أعباء اقتصادية إضافية تتحمّلها الدولة نتيجة إيواء آلاف المعتقلين وتأمين احتياجاتهم. كما تصاعدت المخاوف من احتمال إعادة تنشيط خلايا «داعش» النائمة، سواء عبر محاولات هروب أو استهداف السجون أو استغلال الفوضى السياسية والأمنية.

وفي هذا الإطار، رأى قيادي في فصائل المقاومة، في حديث إلى «الأخبار»، أن عملية نقل عناصر «داعش» لا تنفصل عن «مخطط أميركي – إسرائيلي لإعادة تدوير الإرهاب»، محذّراً من أن تداعيات هذه السياسة قد تكون مدمّرة على العراق. وأكد أن وجود هذا الخطر، إلى جانب استمرار الاحتلال الأميركي، يجعل أي حديث عن تسليم السلاح أمراً غير واقعي، مشدداً على استعداد الفصائل للدفاع عن الحدود ومنع تكرار سيناريو عام 2014.

في المقابل، دافع مسؤولون حكوميون وأمنيون عن القرار، واعتبروه إجراءً وقائياً لحماية الأمن القومي. وقال المتحدث باسم الحكومة، باسم العوادي، إن التطورات المتسارعة في سوريا فرضت التحرك السريع، مؤكداً أن القرار اتُّخذ بعد دراسة دقيقة. كما أعلن «مجلس القضاء الأعلى» أن جميع المعتقلين سيخضعون للقضاء العراقي من دون تمييز، وستُطبَّق بحقهم القوانين النافذة.

ووفقاً لمصادر أمنية، سيجري توزيع المعتقلين على ثلاثة سجون مركزية، هي سجن سوسة في السليمانية، وسجن الناصرية المعروف بـ«الحوت»، وسجن مطار بغداد «كروبر»، بعد تفريغ أجزاء واسعة منها. وأوضحت المصادر أن عمليات النقل تتم بطائرات مروحية أميركية، بهدف تفادي أي عمليات فرار محتملة من السجون السورية.

لكن خبراء أمنيين حذّروا من العواقب البعيدة المدى لهذه الخطوة. إذ رأى الخبير محمد الياسري أن تجميع هذا العدد الكبير من الإرهابيين داخل العراق، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، يحوّل البلاد إلى «برميل بارود»، محذّراً من إمكانية توظيف هؤلاء كورقة ضغط أو أداة ابتزاز في صراعات داخلية وإقليمية، وداعياً إلى شفافية كاملة في إدارة الملف.

ويستحضر الجدل القائم ذاكرة العراقيين المثقلة بمرحلة سيطرة «داعش» على مساحات واسعة من البلاد عام 2014، وما رافقها من مجازر ودمار وتهجير. وتخشى شرائح واسعة من المجتمع من أن يؤدي وجود آلاف المعتقلين داخل البلاد إلى إعادة إنتاج الخطر، سواء عبر هروبهم، أو استهداف السجون، أو استغلالهم في حسابات سياسية دولية.

سياسياً، يرى مراقبون أن الدور الأميركي في هذا الملف يتجاوز الجانب التقني، ليعكس توجهاً لنقل عبء الأزمة من سوريا إلى العراق. فالولايات المتحدة، التي أعلنت نيتها نقل ما يقارب 7 آلاف معتقل من عناصر «داعش»، تبدو وكأنها اختارت تصدير المشكلة بدلاً من معالجتها، ما يضع بغداد أمام تحدّيات أمنية وضغوط سياسية إضافية.

ولا يقتصر الملف على المعتقلين وحدهم، إذ يشمل أيضاً نقل نحو 4 آلاف من عائلات عناصر التنظيم من مخيم «الهول» السوري إلى مخيم الجدعة جنوب الموصل. وهو مسار لا يقل خطورة، في ظل ضعف برامج التأهيل وإعادة الدمج، ما يثير مخاوف جدّية من تحوّل هذه المخيمات إلى بؤر جديدة للتطرّف، إذا لم تُعالَج القضية ضمن رؤية شاملة وطويلة الأمد.

شاركها.