الرئيس الأمريكي يربط العلم الفلسطيني بمهاجمة خصومه السياسيين والحضارة الغربية، فيما يثير استخدامه تعبيراً معادياً لليهود انتقادات جديدة بشأن ازدواجية المعايير في التعامل مع خطاب الكراهية.
ترامب يهاجم الديمقراطيين من بوابة العلم الفلسطيني
شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجوماً حاداً على الحزب الديمقراطي، متهماً خصومه بالسعي إلى رفع العلم الفلسطيني في ولاية كانساس، في خطاب جمع بين التصعيد السياسي وقضايا الهجرة والجريمة والطاقة والهوية الثقافية، وذلك خلال تجمع انتخابي لدعم مرشحين جمهوريين يوم الإثنين.
وخلال التجمع الذي أقيم في مدينة بارك سيتي بالقرب من ويتشيتا، وصف ترامب أجندة الديمقراطيين بأنها «خطة للقضاء على الحضارة الغربية»، زاعماً أنهم يريدون فتح الحدود الأمريكية، وإغلاق محطات الطاقة، وإطلاق سراح المجرمين، ومصادرة أموال المواطنين، وصولاً إلى «رفع العلم الفلسطيني في قلب ولايتكم الرائعة».
وأضاف الرئيس الأمريكي، في سياق هجومه على خصومه، أنهم مستعدون، بحسب تعبيره، لتدنيس العلم الأمريكي، محذراً: «لن نسمح بحدوث ذلك».
ويأتي توظيف العلم الفلسطيني في هذا الخطاب ضمن محاولة ترامب ربط خصومه السياسيين بقضايا الهوية الوطنية والأمن الثقافي، مستثمراً حساسية الصراع حول فلسطين داخل المجتمع الأمريكي، من دون أن يشكل كلامه بحد ذاته دليلاً على أن الحزب الديمقراطي يتبنى الموقف الذي نسبه إليه.
ماذا أراد ترامب من استحضار فلسطين في معركة كانساس الانتخابية؟
وجّه ترامب كلامه إلى السيناتور الجمهوري روجر مارشال، الذي خُصص التجمع لدعم إعادة انتخابه، متسائلاً عن موقف سكان الولاية من رفع العلم الفلسطيني، قبل أن يلمّح إلى احتمال تأييد منافسه الديمقراطي آدم هاميلتون لهذا الأمر.
وتكشف هذه المقاربة عن اتساع مساحة الصراع السياسي الأمريكي، حيث لا تقتصر المواجهة بين الجمهوريين والديمقراطيين على الاقتصاد والضرائب والهجرة، بل تمتد إلى المواقف من إسرائيل وفلسطين، وحدود التعبير السياسي، وتعريف الهوية الأمريكية.
ومن خلال وضع العلم الفلسطيني في قلب خطابه الانتخابي، سعى ترامب إلى تقديم خصومه باعتبارهم تهديداً للقيم الوطنية، رابطاً بين ملفات متباينة في سياق تعبوي يستهدف حشد القاعدة الجمهورية وتعزيز فرص مرشحي الحزب في الانتخابات.
تعبير «شايلوك» يعيد اتهامات معاداة السامية إلى الواجهة
لم يقتصر الجدل الذي رافق تجمع ترامب على هجومه على الديمقراطيين والعلم الفلسطيني، بل امتد إلى استخدامه تعبيراً ذا دلالات معادية لليهود، خلال دفاعه عن السيناتور روجر مارشال الذي يواجه انتقادات بسبب مقاضاة مئات المرضى لتحصيل فواتير طبية غير مدفوعة.
وقال ترامب إن مارشال كان ملزماً قانونياً بملاحقة المتخلفين عن السداد، معتبراً أن خصومه يصورونه باعتباره «شخصاً من طراز شايلوك».
ويشير هذا التعبير إلى شخصية المرابي اليهودي في مسرحية «تاجر البندقية» للكاتب الإنجليزي وليام شكسبير، وهي شخصية ارتبط اسمها تاريخياً بصور نمطية معادية لليهود، تقوم على ربطهم بالجشع والاستغلال المالي.
ويعيد استخدام المصطلح فتح النقاش حول حدود اللغة السياسية المقبولة في الولايات المتحدة، ولا سيما عندما تصدر عن رئيس البلاد، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بشأن معاداة السامية، والحرب على غزة، وانتقاد السياسات الإسرائيلية، والتمييز بين استهداف اليهود بسبب هويتهم وانتقاد دولة إسرائيل أو حكومتها.
وليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب التعبير؛ إذ سبق أن تلفظ به عام 2025، قبل أن يقول إنه لم يكن يعرفه بهذا المعنى وإنه يفهمه على نحو مختلف.
رابطة مكافحة التشهير تحت الانتقاد.. هل تطبق المعايير نفسها على الجميع؟
أدانت رابطة مكافحة التشهير الأمريكية استخدام تعبير «شايلوك»، معتبرة أنه يستند إلى صورة نمطية تاريخية معادية لليهود، لكنها لم تسمِّ ترامب مباشرة، الأمر الذي أثار انتقادات من رأوا في موقفها ازدواجية في التعامل مع الشخصيات السياسية.
وقالت ليا غرينبرغ، الشريكة المؤسسة لمنظمة «إنديفيزيبل»، إن رد الرابطة يعكس الخيارات المطروحة أمام اليهود الأمريكيين بين الدفاع عن الديمقراطية التعددية والانضمام إلى تحالف «ماغا» الذي يقوده ترامب.
كما اعتبر ناشطون آخرون أن الرد لم يكن حازماً بما يكفي، مشيرين إلى أن الرابطة كانت ستدين سياسياً ديمقراطياً بالاسم لو استخدم التعبير نفسه.
وتضع هذه الانتقادات المنظمة أمام اختبار يتعلق بمدى اتساق مواقفها من الخطاب السياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات تتمتع بنفوذ واسع داخل الحزب الجمهوري أو الإدارة الأمريكية.
فلسطين وإسرائيل في قلب الانقسام السياسي الأمريكي
تواجه رابطة مكافحة التشهير انتقادات متكررة بسبب مواقفها من منتقدي إسرائيل، ولا سيما الشخصيات التقدمية المؤيدة للحقوق الفلسطينية، ومن بينها رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني.
ويتهم منتقدون الرابطة بالخلط بين معاداة اليهود وانتقاد إسرائيل، معتبرين أن هذا الخلط قد يؤدي إلى توسيع نطاق الاتهامات بمعاداة السامية لتشمل مواقف سياسية تتعلق بالحرب على غزة أو حقوق الفلسطينيين.
في المقابل، تظل مواجهة معاداة السامية والتمييز ضد اليهود قضية قائمة بذاتها، ما يجعل النقاش يدور حول كيفية التمييز بين التحريض على جماعة دينية أو إثنية، وانتقاد سياسات دولة أو مسؤولين سياسيين.
وتكشف تصريحات ترامب والجدل الذي أعقبها عن استمرار توظيف القضية الفلسطينية في الصراع الداخلي الأمريكي، حيث تتحول الرموز والمواقف المرتبطة بإسرائيل وفلسطين إلى أدوات انتخابية في معركة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والثقافية والأخلاقية.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لا يبدو أن هذا الانقسام مرشح للانحسار، خصوصاً في ظل سعي الجمهوريين والديمقراطيين إلى استقطاب قواعدهم الشعبية عبر ملفات شديدة الحساسية، تتجاوز حدود السياسة الخارجية لتلامس هوية المجتمع الأمريكي ومستقبل التعددية فيه.
