انقلاب السحر على الساحر: هل دفعت أوروبا ثمن رهاناتها ضدّ روسيا؟
انقلاب السحر على الساحر: هل دفعت أوروبا ثمن رهاناتها ضدّ روسيا؟
صحيفة البناء: بقلم حسن حردان
خنق الاقتصاد الروسي بعقوبات
عندما اندلعت الحرب في أوكرانيا، راهنت العواصم الغربية على استراتيجية شاملة تقوم على خنق الاقتصاد الروسي بعقوبات غير مسبوقة تجاوزت 18 ألف عقوبة فردية ومؤسسية، وإسناد كييف بمساعدات عسكرية ومالية تجاوزت مئات الملايين من الدولارات، بهدف استنزاف موسكووإشعال الغضب الشعبي الداخلي ضدّ الرئيس فلاديمير بوتين. غير أنّ جريان الأحداث لم يأتِ متطابقاً مع حسابات حلف “الناتو” وواشنطن؛ إذ سرعان ما ارتدت آثار هذه الحرب الاقتصادية والسياسية على الداخل الأوروبي والأميركي، ليجد الغرب نفسه أمام مأزق بنيوي خانق، يتجلى في موجات تضخم غير مسبوقة، وأزمات طاقة حادة، وانفجار اجتماعي في شوارع العواصم الغربية، في مشهد يصحّ فيه القول إنّ “السحر قد انقلب على الساحر”.
أسعار الطاقة والكهرباء
تفكيك المأزق الغربي
1 ـ المأزق الاقتصادي وحقيقة “عقدة الطاقة”
سعت الإدارات الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى عزل قطاع الطاقة الروسي تماماً عن الأسواق العالمية لحرمان الكرملين من أرقام إيراداتهالضخمة. لكن الواقع أفرز تناقضات حادة؛ حيث أدى القطع السريع للغاز الروسي الرخيص إلى قفزات تاريخية في أسعار الطاقة والكهرباء داخل القارة العجوز، مما أضرّ بالتنافسية الصناعية الألمانية والأوروبية بشكل غير مسبوق.
وعلى الرغم من الرفض السياسي المعلن، فرضت الحقيقة الاقتصادية نفسها؛ إذ اضطرت أسواق الغرب للتعامل مع بدائل مكلفة للغاية، كاستيراد الغاز الطبيعي المُسال (LNG) بأسعار مضاعفة، بل والتغاضي عن إعادة تدوير النفط والمشتقات الروسية (كالديزل) عبر دول ثالثة مثل الهند وتركيا لضبط حركة الأسعار العالمية المشتعلة. هذا التراجع والتذبذب كشف بوضوح عن حجم الاعتماد البنيوي المعقد على الطاقة الروسية، والذي لم تنجح خيارات العقوبات الحادة في محوه دون تكبيد المستهلك الغربي أثماناً مضاعفة.
2 ـ انفجار الشارع الأوروبي: أزمة معيشة وسخط متصاعد
لم تكن المشاهد التي شهدتها شوارع باريس وروما ومدريد وبرلين وبروكسل مجرد احتجاجات عمالية عابرة؛ بل جاءت تعبيراً حاداً عن تآكل القدرة الشرائية للطبقتين المتوسطة والفقيرة، ووصول التضخم في بعض فترات الأزمة إلى مستويات قياسية لم تشهدها أوروبا منذ عقود (تجاوزت 10% في منطقة اليورو).
لقد أدى توجيه مليارات الملايين من الأموال العامة لدعم المجهود الحربي وشراء الأسلحة، بالتوازي مع اقتطاعات الميزانيات الخدمية وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التدفئة، إلى تصاعد الخطاب الشعبي المندّد بتصرفات الحكومات. وبرز صوت المواطن الأوروبي الذي أصرّ على الاستفسار: “لماذا يُطلب منا تحمّل فاتورة التقشف والتضخم من أجل حرب استنزاف لا تلوح لها نهاية؟” هذا الواقع التهم الرصيد السياسي للعديد من الزعماء الغربيين وأدى إلى صعود لافت لأحزاب المعارضة والتكتلات الرافضة للاستمرار في تمويل الحرب.
3 ـ صمود موسكو وفشل الرهان على “الانهيار السريع”
على الجانب الآخر، أثبت الاقتصاد الروسي قدرة عالية على التكيّف والمرونة أربكت توقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ حيث نجحت موسكو في إعادة توجيه شريان صادراتها من النفط والغاز نحو الأسواق الناشئة في آسيا (كالصين والهند)، وتفعيل سياسات الإحلال الاقتصادي الداخلي، وتحويل الاقتصاد إلى “اقتصاد حرب” حيوي يسنده إنفاق عسكري واستثماري ضخم حافظ على معدلات نمو إيجابية وأسواق عمل نَشِطة.
إمكانية إحداث انهيار سريع للداخل الروسي
لقد سقط الرهان الغربي على إمكانية إحداث انهيار سريع للداخل الروسيأو دفع الشارع للتمرّد على القيادة السياسية، بينما أصبحت الحكومات الغربية نفسها هي من تواجه خطراً حقيقياً يتمثل في تصاعد التوترات الاجتماعية والانقسام السياسي حول جدوى الاستمرار في الخيار العسكري.
الغرب أمام مفترق طرق
يقف الغرب اليوم على مفترق طرق حرج وأمام معادلة معقدة للغاية؛ فمن جهة، تبدو سياسة استنزاف روسيا مكلفة للغاية على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي الداخلي، ومن جهة أخرى، يرى صناع القرار في حلف “الناتو” أنّ التراجع وقبول الشروط الروسية يعني إعلاناً صريحاً بفشل الاستراتيجية الغربية وإعادة تشكيل خريطة النفوذ الدولي لصالح موسكو وحلفائها. وبين هذين الخيارين الأحليين، تبقى الشوارع الأوروبية تعبّر بحرارة عن حقيقة أنّ فاتورة الرهانات الاستراتيجية الخاطئة باتت أثقل من أن يتحمّلها المواطن البسيط…