تشهد مدينة الخليل ومناطق واسعة من الضفة الغربية المحتلة تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً خطيراً، عقب عملية إطلاق النار التي وقعت صباح الجمعة 23 تشرين الأول 2026، قرب حاجز فرش الهوى في الخليل، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، فيما استشهد منفذا العملية برصاص قوات الاحتلال.
وسارعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى إعلان إجراءات عسكرية واسعة، شملت فرض حصار على مدينة الخليل، وإغلاق مداخلها ومخارجها، وتنفيذ اقتحامات ومداهمات للمنازل واعتقالات، وسط تهديدات بتوسيع العمليات لتشمل مناطق أخرى من الضفة الغربية المحتلة.
نتنياهو يلوّح بعملية غير مسبوقة منذ عام 1967
نتنياهو يلوّح بعملية غير مسبوقة منذ عام 1967
وفي تصعيد لافت، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، خلال زيارته موقع العملية في الخليل، أن جيشه يستعد لتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية، وصفها بأنها غير مسبوقة منذ حرب حزيران عام 1967.
وأكد نتنياهو أن الخطة العسكرية قيد الإعداد، وأن تحديد موعد تنفيذها سيكون وفقاً لقرار الحكومة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية ستدخل الأحياء التي خرج منها منفذا العملية، وتعمل على إخلاء السكان وتفتيش المنازل وتدمير ما وصفه بالبنية التحتية للإرهاب.
كما أعلن أن الجيش سيعتمد نموذج العمليات العسكرية التي نفذها سابقاً في مخيمات شمال الضفة الغربية، ولا سيما في جنين وطولكرم، والتي أدت إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير واسع في البنية التحتية والمنازل.
وتثير هذه التهديدات مخاوف من انتقال العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى مرحلة أكثر اتساعاً، تتجاوز ملاحقة منفذي الهجمات إلى فرض إجراءات تطال مناطق سكنية كاملة.
ليلة اقتحامات ومداهمات وإخلاء منازل
ليلة اقتحامات ومداهمات وإخلاء منازل
وشهدت مدينة الخليل، خلال ساعات الليل وفجر السبت، انتشاراً مكثفاً لقوات الاحتلال الإسرائيلي، مدعومة بالآليات العسكرية والجرافات، حيث اقتحمت عدداً من الأحياء والمناطق السكنية، بينها دير بحة ودوار الجلدة ونمرة.
وأفادت مصادر فلسطينية بأن القوات الإسرائيلية داهمت منازل المواطنين وفتشتها، وأخلت عدداً من السكان، بالتزامن مع إغلاق الطرق الرئيسية والفرعية، وفرض قيود مشددة على حركة الفلسطينيين.
وأعلن جيش الاحتلال وجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» بدء عملية عسكرية قد تستمر عدة أيام، تتضمن عمليات تفتيش واسعة والتحقيق مع عشرات الفلسطينيين.
وامتدت الإجراءات العسكرية إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية، حيث سُجلت اقتحامات في نابلس ومخيم الفوار، في وقت تتحدث فيه تقارير محلية عن تحركات عسكرية ومداهمات في محيط رام الله ومخيم الجلزون.
وتسببت الإجراءات الإسرائيلية في تعطيل الحياة اليومية في محافظة الخليل، حيث أُغلقت المدارس والجامعات، وتوقفت حركة النقل في عدد من المناطق، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهات.
عقاب جماعي يطاول المدنيين الفلسطينيين
عقاب جماعي يطاول المدنيين الفلسطينيين
وتثير الإجراءات التي أعلنتها حكومة الاحتلال تساؤلات جدية بشأن مدى توافقها مع قواعد القانون الدولي الإنساني، خصوصاً ما يتعلق بحظر العقوبات الجماعية بحق السكان المدنيين في الأراضي المحتلة.
فإغلاق المدن والقرى، وإخلاء السكان من منازلهم، وفرض القيود الواسعة على الحركة والتنقل، لا يمكن تبريرها بصورة تلقائية تحت عنوان الإجراءات الأمنية، ولا سيما عندما تطال مدنيين لا علاقة لهم بالعمليات المسلحة.
وتنص المادة الثالثة والثلاثون من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر العقوبات الجماعية، ما يجعل أي إجراءات تستهدف السكان بصورة جماعية موضع مساءلة قانونية دولية.
وفي ظل هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى تدخل دولي عاجل لحماية المدنيين الفلسطينيين، ومنع توسع العمليات العسكرية التي قد تؤدي إلى موجات جديدة من النزوح والتهجير وتدمير الممتلكات.
عملية الخليل والانتخابات الإسرائيلية
عملية الخليل والانتخابات الإسرائيلية
ويأتي هذا التصعيد قبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الإسرائيلية منافسة حادة بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وخصومه.
وقد أعادت عملية الخليل الملف الأمني إلى صدارة الخطاب الانتخابي، وسط تنافس بين أحزاب اليمين الإسرائيلي على تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، دعا عدد من الوزراء الإسرائيليين إلى توسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، وتشديد الإجراءات الأمنية، فيما تصاعدت المطالبات داخل اليمين المتطرف بتفكيك السلطة الفلسطينية وتعزيز الاستيطان.
وتطرح هذه المواقف تساؤلات حول مدى تأثير الحسابات الانتخابية الداخلية في القرارات العسكرية الإسرائيلية، وإمكانية توظيف عملية الخليل لتبرير تصعيد أوسع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الضفة الغربية أمام مرحلة خطيرة
الضفة الغربية أمام مرحلة خطيرة
وتشير التطورات الميدانية والتصريحات الإسرائيلية إلى أن الضفة الغربية قد تكون مقبلة على مرحلة شديدة الخطورة، خصوصاً إذا مضت حكومة نتنياهو في تنفيذ تهديداتها بشن عملية عسكرية واسعة لم تشهد المنطقة مثيلاً لها منذ احتلالها عام 1967.
وبينما تؤكد سلطات الاحتلال أن إجراءاتها تستهدف منع الهجمات المسلحة، تتزايد المخاوف الفلسطينية من أن تتحول هذه العمليات إلى سياسة عقاب جماعي، تشمل التهجير وهدم المنازل وتوسيع السيطرة العسكرية على المدن والمخيمات.
ويبقى السؤال الأساسي: هل تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على الرد على عملية الخليل، أم أن حكومة نتنياهو تتجه إلى استغلال التطورات الأمنية لفرض واقع جديد في الضفة الغربية، في ظل الصراع الانتخابي الداخلي واستمرار التوسع الاستيطاني؟
وفي انتظار ما ستكشفه الساعات والأيام المقبلة، يبقى المدنيون الفلسطينيون أمام مخاطر تصعيد عسكري واسع، ما يستدعي تحركاً دولياً فاعلاً للحؤول دون اتساع دائرة العنف والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.