التكيّف المناخي: سوق تتجاوز تريليون دولار

بقلم: سوسن بركة

لم يعد التكيّف مع التغير المناخي ملفاً بيئياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل يتحول تدريجياً إلى سوق عالمية ضخمة تفتح أبواباً جديدة للاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية. ومع تصاعد موجات الحر والفيضانات وشح المياه وارتفاع المخاطر على المدن والقطاعات الإنتاجية، تتجه الدول إلى بناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود والاستمرار في مواجهة تداعيات المناخ.

وتبرز دولة الإمارات نموذجاً لافتاً في هذا المسار، بعدما ربطت التكيّف المناخي بالتخطيط الاقتصادي والاستثمار في المياه والبنية التحتية والحلول الطبيعية والتكنولوجيا. ومن مشاريع تصريف مياه الأمطار في دبي إلى التوسع في إعادة استخدام المياه وزراعة أشجار القرم، تتشكل منظومة متكاملة للمرونة المناخية، فيما تقدم تجارب هولندا وسنغافورة والبرازيل والهند نماذج أخرى تؤكد أن اقتصاد التكيّف بات أحد أبرز أسواق المستقبل.

كيف تحوّل الإمارات التكيّف المناخي إلى بنية اقتصادية مستقبلية؟

كيف تحوّل الإمارات التكيّف المناخي إلى بنية اقتصادية مستقبلية؟
كيف تحوّل الإمارات التكيّف المناخي إلى بنية اقتصادية مستقبلية؟

تملك دولة الإمارات العربية المتحدة موقعاً متقدماً في هذا التحول، لأنها تعاملت مبكراً مع التكيّف كجزء من التخطيط الاقتصادي. فقد أسست البرنامج الوطني للتكيف مع التغير المناخي في عام 2018، وأجرت تقييماً للمخاطر في قطاعات الصحة والبيئة والطاقة والبنية التحتية والتأمين، ثم أطلقت خلال مؤتمر COP28 خارطة طريق للخطة الوطنية للتكيف. والأهم أن المؤتمر أقر “إطار الإمارات للمرونة المناخية العالمية”، الذي وضع أهدافاً واضحة للتكيف مع المسألة المناخية، تشمل المياه والغذاء والصحة والبنية التحتية والطبيعة.

التحول المناخي في دبي
التحول المناخي في دبي

في المياه، تقدم الإمارات نموذجاً قابلاً للتحويل إلى اقتصاد تقني واستثماري. فوفق المساهمة الوطنية الثالثة للدولة، خفّض برنامج إدارة الطلب استخدام المياه بنحو 513 مليون متر مكعب، وارتفعت إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 77%، والهدف بلوغ نسبة 95% في 2036. وتعمل استراتيجية الأمن المائي 2036 على ضمان الإمدادات في الظروف الطبيعية والطوارئ، من خلال إدارة الطلب والعرض والإنتاج والتوزيع في الأزمات.

 

أما دبي، فقد ترجمت مفهوم “المدينة المتكيفة” إلى استثمار مباشر عبر مشروع “تصريف” بقيمة 30 مليار درهم، المصمم لرفع قدرة شبكة تصريف مياه الأمطار 700% والتعامل مع أكثر من 20 مليون متر مكعب يومياً، ضمن بنية مخطط لها لخدمة الإمارة بـ 100 عام مقبلة. وهذا النوع من المشاريع يخلق سلسلة قيمة تشمل الهندسة والأنفاق والمضخات وأجهزة الاستشعار والتحكم الرقمي وتحليل البيانات.

وفي الحلول الطبيعية، تستهدف الإمارات زراعة 100 مليون شجرة قرم بحلول 2030. وفي أبوظبي وحدها، تغطي أشجار القرم نحو 176 كيلومتراً مربعاً، وتختزن أكثر من 3 ملايين طن من الكربون، إلى جانب دورها حاجزاً طبيعياً يحمي السواحل من العواصف والتآكل. وهكذا، تجمع التجربة الإماراتية بين البنية التحتية الصلبة والحلول القائمة على الطبيعة والتكنولوجيا والتمويل في منظومة واحدة للمرونة المناخية.

 

هل من نماذج عالمية للمرونة المناخية؟

هل من نماذج عالمية للمرونة المناخية؟
هل من نماذج عالمية للمرونة المناخية؟

عالمياً، بنت هولندا برنامج الدلتا بوصفها منظومة مستمرة لحماية البلاد من الفيضانات حتى عام 2050، فيما تستثمر سنغافورة في مصادر مياه أقل اعتماداً على الطقس مثل NEWater والتحلية، وتدعم الشركات لرفع إعادة تدوير المياه.

وفي البرازيل موّلت IFC استثماراً بـ200 مليون دولار لتعزيز مرونة المياه والصرف الصحي في ساو باولو، بينما ساعدت في الهند على تعبئة 300 مليون دولار لمبانٍ أعلى كفاءة وأشد مرونة في مواجهة ارتفاع الحرارة.

 

ختاماً، كانت الطاقة الخضراء الموجة الأولى من اقتصاد المناخ؛ أما الموجة التالية فهي جعل الاقتصاد نفسه قادراً على الاستمرار تحت ضغط المناخ. ومن يملك تقنيات الماء والتبريد والإنذار المبكر والبناء المرن والزراعة المقاومة والتمويل المناخي لن يقدم الحماية وحدها، إنما يؤمن شرطاً أساسياً لاستمرار المدن والأعمال. ولهذا، ليست سوق التكيّف في طريقها إلى كسر حاجز التريليون دولار فحسب؛ فوفق بعض التقديرات الاستثمارية، لقد دخلت بالفعل عصر التريليونات، والآتي لا يبشّر كثيراً.

شاركها.