الانسحاب الأمريكي من العراق .. عندما يخرج المحتل من باب، ويدخل من أبواب ... ونوافذ
الدكتور: علي رباح- باحث وكاتب سياسي
قد يظن الكثيرون ان العراق حقق انتصاراً تاريخياً، من خلال إعلان قوات التحالف بقيادة الأميركي انسحابهم العسكري من العراق وإخلاء قواعدهم.، فهل فعلاً انسحب العم سام بكل طيبة خاطر، او انه خرج من الباب، وقد دخل قبلها من مجموعة ابواب و نوافذ، .. فلا يصدقن احد ان الأميركي بوارد هذا القرار الا في حال مقاومة شعبية واسعة، وفاعلية سياسية، وتكاتف المؤسسات الدينية، وهو ما لم يتوفر الى الٱن، بل. العكس، نرى ضعف الفاعلية السياسية، وانزواء المؤسسات الدينية، وتشتت الارادة الشعبية.
بعد حرب ايران، وصل الاميركي الى قناعة تامة، باستحالة وجود قواعد عسكرية ظاهرة قريبة من ايران، وان وجوده العسكري يحرج القوى المحسوبة عليه، بعد تردد اصداء مطالبات لم ترق الى المقاومة الكاملة بضرورة انهاء الوجود العسكري، وان الطريقة الافضل للتحكم بالعراق، لم تعد متحققة كثيراً بهذا الوجود المباشر. فماذا ارسى الاميركي من بدائل، تمكنه من الاستمرار بفاعلية تكاد تضاهي الطريقة التقليدية، وتمنع العراقيين من استعادة السيادة والموقع الطبيعي، وهو في محور المقاومة، او بالحد الادنى كقوة توازن بين الاتجاهات السياسية الداخلية، تنتح سياسات خارجية تراعي مصالح الامة العربية والاسلامية الحقيقية، وليس اتجاهات الحكام العرب المستلبة للاميركي، ومن خلفه الصهيوني، الذي بات يظهر جلياً في المشهد، دون احراج، فالانظمة العربية والاسلامية باستثناء ايران، ودولة اخرى لن اذكرها بسبب الضبابية المانعة لتقدير وضعها، محكومة للقبضة الاميركية، والشعوب ضائعة في متاهات المشاكل الحياتية والاجتماعية والطائفية والتأثير السيبراني والهراء …
ويبدو السؤال سهل الاجابة على متتبع الدخان، وكما قال تميم، .. فإذا تتبعت الدخان، وصلت الى غليون القيصر ..
فكيف استبدلت اميركا وجودها في العراق؟
فكيف استبدلت اميركا وجودها في العراق؟
السفارة الاميركية في بغداد:تعتبر السفارة الاميركية في بغداد اكبر سفارة في العالم، وهي اشبه بمدينة صغيرة، يعمل فيها الاف الاميركيين، والعدد غير مصرح به نهائياً، وليس ثمة توثيق عند الحكومة العراقية لمهامهم الحقيقية، ولكن في وقت علم من مصادر ان عديد السفارة بلغ ١٦ الف موظف، وبالتأكيد هم لتمثيل اميركا دبلوماسياً!!!، وقد يسأل سائل، ما حاجة اميركا لهذا العدد الهائل. يقسم هذا الجيش الى تخصصات متعددة، استخبارات، سياسة، اجتماع، تربية، اقتصاد، دين، ثقافة، … فيفرض ارادته من خلاله، حتى انه لم يستثنِ المؤسسات الدينية والعتبات المقدسة من الاختراق، وهذا ليس كلامي، انما هو ضمن الاستراتيجيات التي تضعهام الولايات المتحدة، للتحكم او التأثير كخطوة ادنى، في اتجاهات هذه المؤسسات.
إعداد حليف داخلي:عمل الأمريكي بقوة على إعداد حلفاء من كل الأطياف العراقية، مع الإشارة إلى أنها لا تتعاطى معهم بالندية السياسية او حتى الأخلاقية، بل تعد لكل شخصية ملفاً جاهزاً من الفساد والتجاوزات الاقتصادية والأخلاقية والأمنية وغيره، لتبتزهم بها، مع البقاء قريب ومن وراء الستار، للتهديد بالاستهداف المعنوي والمادي، في حال حاولت اي شخصية التنصل من خدمة المصالح الأميركية.
الاغراق في الأزمات:عمدت المخابرات الأميركية، وبكل اختصاصاتها، الى اغراق العراق بأزمات مزمنة، على الصعد الدينية والطائفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية وغيره، وهي تنشط من خلال عملائها في الادارات العامة ودوائر القرار والاحزاب والمؤسسات الدينية، لإبقاء عجلة انتاج هذه الازمات في دوران مستمر، وحتى يستطيع العراق الخروج من نطاق الدائرة، تكون قد امتصت عافيته وحضوره.
جمعيات ال NGO’s: في العراق ارقام مهولة لهذه الجمعيات، وقد قدرت بعض الاحصاءات ما يزيد عن ٢٤ الف جمعية، تعمل معظمها تحت الستار الاميركي وحلفائه، وتتخذ لنفسها عناوين مختلفة، وتلخصت مهامها في ضرب عصب المجتمع، من خلال ابعاده عن قيمه الدينية والاخلاقية، واحداث قطيعة بينه وبين تاريخه الاسلامي الاصيل، وبالتالي القضاء على العزم، وتشتيته واغراقه في ما يبعده عن صناعة مستقبل العراق.
هذه الاحاطة وبكل سوداويتها، ليست قدراً محتوماً، وعلى العراقيين استنفار الجهود الٱن، واعتبار ان التحرر بدء الٱن، فالشعور بالاشباع السيادي، سيؤدي الى فتور اضافي في مواجهة الاحتلال، وسيمكن الاميركي من الانتشار بقوة اكثر في الجهاز العصبي لكل مؤسسات الدولة والمجتمع، والمطلوب وعياً وادراكاً لخطورة المرحلة القادمة، ووضع استراتيجيات وخطط عملانية مواجهة، استباقاً لأي ندم مستقبلي، ولات حين مناص.
والمطلوب، تفعيل الفواعل السياسية، ونهوض المؤسسات الدينية لتحمل كتفاً في السياسة، ولا تخلي الساحة لأصحاب الياقات، وانطلاق ماكينات الاحزاب والفصائل لاعادة ترتيب البيت الداخلي .. من الامن الى التربية الى الاعلام الى الاقتصاد، (ويلزم هنا انتزاع اموال النفط من الايادي الاميركية)، والى كل مجال يمكن للمحتل الدخول من خلاله، والمعلوم، ان الاخير بارع في التسلل، ولا يمكن التساهل معه .. لا يتسع المقام لتفصيل الخطط، ولكن يبقى الاساس، في اطلاق ورشة عمل تتضافر فيها كل جهود المخلصين، لاستنقاذ العراق، ومن لا يخطط يخطط له .. والمساحات لا تحتمل الفراغ ..