ارتفاع إيجارات المنازل في دمشق يدفع أسرًا إلى الانتقال نحو أطراف العاصمة.
تحولت إيجارات المنازل في دمشق إلى عامل حاسم في تحديد مكان السكن ونمط الحياة وقدرة الأسر على الاستمرار داخل العاصمة، في ظل فجوة كبيرة بين أسعار العقارات والدخول الشهرية. وبينما تصل بعض الإيجارات في مناطق مثل مشروع دمر إلى أكثر من 1000 دولار شهرياً، تجد أسر نفسها مضطرة للانتقال إلى أطراف المدينة، حيث ينخفض بدل الإيجار لكن ترتفع في المقابل كلفة المواصلات والطاقة والمياه والخدمات.
في مشروع دمر«الشام الجديدة»، تظهر عروض عقارية بإيجارات تتراوح بين 1000 و1300 دولار شهرياً، مع اختلاف الأسعار وفق المساحة والموقع ومستوى التجهيز.
وتكشف هذه الأرقام حجم الضغط الذي باتت تواجهه الأسر السورية، خصوصاً الموظفين وأصحاب الدخول المحدودة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وتأتي أزمة إيجارات المنازل في دمشق في وقت تظهر فيه فجوة كبيرة بين الأجور وكلفة الحياة اليومية. ووفق البيانات الواردة في التقرير، بلغ متوسط الأجر الشهري للموظف الجامعي عند بدء التعيين في القطاع العام نحو 1.13 مليون ليرة سورية، أي ما يقارب 100 دولار، مقابل نحو 1.30 مليون ليرة، أو 115 دولاراً، للعامل في القطاع الخاص، فيما وصل المتوسط لدى موظف القطاع المدني إلى نحو 3.1 ملايين ليرة، أي قرابة 270 دولاراً.
وفي المقابل، قدر «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة» الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة سورية من خمسة أفراد بنحو 7.99 ملايين ليرة شهرياً، أي نحو 580 دولاراً، فيما بلغ متوسط تكاليف المعيشة نحو 12.78 مليون ليرة، بما يقارب 930 دولاراً.
وتشير هذه المعادلة إلى أن الإيجار أصبح جزءاً من أزمة اقتصادية أوسع، لا يمكن فصلها عن تكاليف الغذاء والطاقة والنقل والتعليم والصحة والاتصالات.
فجوة بين الأجور وتكاليف السكن
فجوة بين الأجور وتكاليف السكن
يعتمد مؤشر تكاليف المعيشة المشار إليه على سلة غذائية تمثل نحو 60% من إجمالي الكلفة، بينما تمثل النفقات الأخرى، ومنها السكن والمواصلات والتعليم والصحة والاتصالات، نحو 40%.
ومع ارتفاع هذه النفقات، تجد أسر دمشقية نفسها مضطرة إلى مغادرة أحياء اعتادت العيش فيها لسنوات طويلة، والبحث عن مساكن أقل كلفة على أطراف العاصمة.
لكن الانتقال إلى منزل أرخص لا يعني بالضرورة انخفاض الكلفة الإجمالية للحياة.
فالمسكن البعيد قد يفرض أعباء إضافية تتعلق بالمواصلات والطاقة والمياه والإنترنت والخدمات، فضلاً عن تغيير المدارس وزيادة الوقت الذي يقضيه الموظفون يومياً في التنقل بين المنزل ومكان العمل.
وبذلك، يتحول السؤال بالنسبة إلى كثير من الأسر من «أين تريد أن تسكن؟» إلى «أين تستطيع أن تسكن؟»، ثم إلى سؤال أكثر تعقيداً: هل المنزل الأرخص أقل كلفة بالفعل عندما تحسب الأسرة جميع النفقات المرتبطة به؟
موظفة تغادر المزة بسبب ارتفاع الإيجار
موظفة تغادر المزة بسبب ارتفاع الإيجار
تقدم سليمة، أم مالك، البالغة 42 عاماً، مثالاً واضحاً على هذه المفارقة. فالموظفة في مؤسسة البريد الرئيسي في شارع سعد الله الجابري قرب منطقة الحجاز التاريخية، والتي عاشت حياتها في حي المزة الدمشقي، اضطرت إلى مغادرة المنطقة والانتقال إلى أحد الأحياء البعيدة في ضواحي العاصمة بعد ارتفاع الإيجار إلى مستوى يفوق قدرتها المالية.
وتقول لـ«القدس العربي» إن العثور على منزل بعيد عن مركز المدينة وضمن الإمكانات المالية أصبح بمثابة بداية لتنازلات جديدة، موضحة أن المنزل الذي يناسب الميزانية لا يعني بالضرورة أن يكون مريحاً أو قريباً من مكان العمل والمدرسة والخدمات.
وترى أن ارتفاع تكاليف السكن جعل القدرة المالية عاملاً حاسماً في تحديد مكان الإقامة، ما دفعها إلى التخلي عن جزء من المزايا التي كانت متاحة في مركز المدينة، ومنها الحدائق والملاعب والنوادي ومستوى الخدمات البلدية والنظافة.
وتضيف أن بعض المناطق الطرفية تعاني من تراكم القمامة وضعف الخدمات، فيما يعتمد الأطفال أحياناً على الشوارع والساحات المحيطة بالمنازل كمساحات للعب في ظل نقص المرافق المخصصة لهم.
وبحسب تجربتها، فإن السكن الأرخص «يعيد توزيع النفقات ولا يلغيها»، إذ تتحول الكهرباء والمياه والإنترنت والطرق والنظافة إلى مصاريف إضافية أو خدمات تحتاج إلى حلول بديلة.
وتوضح أن الإيجار في منزلها السابق ارتفع بنحو 50% ليصل إلى نحو 1000 دولار شهرياً، في وقت لا يتجاوز راتبها 200 دولار.
كما تشير إلى أن بعض المناطق الطرفية تبعد نحو 15 كيلومتراً عن وسط دمشق، الأمر الذي يفرض على الموظفين مغادرة منازلهم قبل موعد العمل بساعة أو أكثر، بينما تصبح العودة أكثر صعوبة في المساء بسبب قلة المواصلات، ما قد يدفع إلى استخدام سيارات الأجرة ويستهلك جزءاً من الوفر الناتج عن انخفاض الإيجار.
منزل أرخص.. لكن كلفة الحياة أعلى
منزل أرخص.. لكن كلفة الحياة أعلى
تقى نحاس، 27 عاماً، وهي طبيبة في مستشفى حكومي، تعرض جانباً آخر من أزمة إيجارات المنازل في دمشق، بعدما اضطرت إلى مغادرة منزلها في مشروع دمر إثر ارتفاع بدل الإيجار إلى أكثر من 1000 دولار شهرياً.
وتزامن قرار الرحيل، بحسب روايتها، مع ارتفاع فواتير الخدمات الأساسية، ما جعل كلفة البقاء في المنزل تتجاوز قدرتها وقدرة زوجها على تحمل الأعباء.
انتقلت الأسرة إلى أطراف دمشق، حيث انخفض الإيجار إلى نحو 500 دولار شهرياً، لكن هذا الانخفاض جاء على حساب المسافة والخدمات وارتفاع كلفة التنقل.
وتقول نحاس إن انخفاض الإيجار لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة الحياة، موضحة أن انقطاع الكهرباء لا يوقف النفقات، لأن الأسرة تحتاج إلى مصادر طاقة بديلة مثل الاشتراكات والأمبيرات وغيرها من الحلول التي تستنزف جزءاً من الدخل.
وينطبق الأمر نفسه، وفق روايتها، على المياه والمواصلات والإنترنت، إذ إن الأموال التي كان يفترض توفيرها بعد خفض الإيجار تعود الأسرة إلى إنفاقها لتأمين الخدمات الأساسية التي كانت متاحة بصورة أفضل في مركز المدينة.
وتخلص إلى أن كلفة السكن الحقيقية لا يحددها العقد الشهري وحده، وإنما مجموع ما تحتاجه الأسرة لتعيش بصورة مستقرة في المكان.
أزمة السكن تتحول إلى أزمة حياة يومية
أزمة السكن تتحول إلى أزمة حياة يومية
لا تتوقف تداعيات ارتفاع إيجارات المنازل في دمشق عند الجانب المالي، بل تمتد إلى نمط حياة الأسر وعلاقات الأطفال بمحيطهم الاجتماعي.
وتشير نحاس إلى أن الأطفال وجدوا أنفسهم بعيدين عن الأهل والأصدقاء والبيئة التي اعتادوا عليها، معتبرة أن تغيير المحيط السكني يمكن أن يترك آثاراً اجتماعية ونفسية على الأسرة.
كما أن الانتقال إلى مناطق أبعد يفرض إعادة تنظيم الحياة اليومية، بدءاً من المدارس ومواعيد العمل، وصولاً إلى المواصلات والخدمات الأساسية.
وتظهر تجارب الأسر التي انتقلت من مركز دمشق إلى أطرافها أن انخفاض الإيجار قد يترافق مع زيادة في مصاريف أخرى، بحيث لا يكون الفرق بين المنزلين واضحاً عند احتساب كامل النفقات الشهرية.
وتصبح المسافة نفسها تكلفة اقتصادية، إذ تعني مزيداً من الوقود أو أجور النقل، ومزيداً من الوقت الذي يقضيه الموظف في الطريق، إلى جانب صعوبة الوصول إلى الخدمات التي كانت متاحة على مسافة قريبة من المنزل السابق.
أين تتجه خريطة السكن في دمشق؟
أين تتجه خريطة السكن في دمشق؟
تضع أزمة إيجارات المنازل في دمشق الأسر أمام خيارات محدودة بين دفع إيجارات مرتفعة داخل العاصمة أو الانتقال إلى مناطق أرخص لكنها تحتاج إلى إنفاق إضافي على الخدمات والمواصلات.
وتعكس هذه التحولات ضغوطاً أوسع على سوق السكن في العاصمة، حيث تتقاطع أسعار الإيجارات مع مستويات الدخل وتكاليف المعيشة وتوافر الوحدات السكنية والخدمات الأساسية.
وفي تقارير سابقة، ظهرت أيضاً مؤشرات على ارتفاع أسعار العقارات في بعض مشاريع دمشق إلى مستويات مرتفعة جداً مقارنة بدخول المواطنين، ما يعكس اتساع الفجوة بين سوق العقارات والقدرة الشرائية للسكان.
وبذلك، لم يعد السكن بالنسبة إلى كثير من الدمشقيين مجرد اختيار يتعلق بالحي أو مساحة المنزل، بل أصبح قراراً اقتصادياً يحدد مقدار ما تبقى من دخل الأسرة بعد دفع الإيجار والنقل والطاقة والمياه وبقية الاحتياجات.