وفي مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، استند إغناتيوس إلى محاكاة لحرب افتراضية مستقبلية شارك فيها أعضاء حاليون في الكونغرس الأمريكي ومسؤولون سابقون في مجالات الدفاع والدبلوماسية والاستخبارات، بهدف اختبار كيفية تعامل الولايات المتحدة وأوروبا مع سيناريو يتوسع فيه الصراع الروسي الأوكراني.
ويرى الكاتب أن الحرب الروسية في أوكرانيا قد تتحول، في حال استمرار غياب الردع الأمريكي الفاعل، من نزاع محصور نسبيًا داخل الأراضي الأوكرانية إلى أزمة أمنية أوروبية واسعة تهدد مباشرة دول حلف الناتو.
وتخيلت المحاكاة استمرار الحرب في أوكرانيا حتى عام 2028من دون التوصل إلى حسم واضح، قبل أن تستغل روسيا حالة الجمود لمهاجمة مولدوفا، في خطوة تهدف، بحسب السيناريو، إلى زيادة الضغوط على أوروبا وتعميق حالة الانقسام داخلها.
وفي تطور أكثر خطورة ضمن المحاكاة، تسقط طائرة مسيرة روسية على مستودع للوقود في رومانيا، وهي دولة عضو في حلف الناتو، ما يؤدي إلى مقتل عدد من المدنيين.
ويشير إغناتيوس إلى أن رد الفعل الأمريكي في المحاكاة جاء فاتراً، الأمر الذي يعكس مخاوفه من احتمال أن يكون الرد الحقيقي مشابهًا في حال وقوع حادث مماثل.
ويحذر الكاتب من أن استمرار هذا النهج قد يضعف مصداقية المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، ويجعل التعهد بالدفاع عن أي دولة عضو يبدو أقل ردعًا مما كان عليه في السابق.
ويرى الكاتب أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسهم في إعادة تشكيل النظام الأمني عبر الأطلسي، بما قد يؤدي إلى تقليص الدور التقليدي لواشنطن في قيادة التحالف الغربي.
وخلال المحاكاة، اتفق أعضاء الكونغرس المشاركون على أن الرأي العام الأمريكي قد لا يكون مستعدًا لدعم تحرك عسكري قوي في حال تعرض دولة أوروبية عضو في الناتو لهجوم.
وتكمن خطورة هذا السيناريو، بحسب إغناتيوس، في أن موسكو قد تفسر التردد الأمريكي باعتباره ضعفًا في الإرادة السياسية، الأمر الذي يمكن أن يشجعها على اختبار حدود الردع الغربي.
الحرب الهجينة الروسية تتجاوز “المنطقة الرمادية”
الحرب الهجينة الروسية تتجاوز “المنطقة الرمادية”
ويصف الكاتب التطورات الحالية بأنها انتقال تدريجي للحرب الهجينة الروسية ضد الدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا من “المنطقة الرمادية” إلى مواجهات أكثر مباشرة.
وبحسب تحليل أمني خاص لشركة “تي دي إنترناشونال”، أصبح النشاط الروسي الهجين في أوروبا خلال الأشهر الستة الماضية أكثر طموحًا وخطورة.
وأشار التحليل إلى تسجيل 63 حادثة مرتبطة بروسيا منذ آذار، من بينها 43 حادثة تتعلق بطائرات مسيرة أو انتهاكات للمجال الجوي، إضافة إلى 6 عمليات تخريب أو محاولات تخريب استهدفت مصانع أسلحة في إستونيا وبلغاريا وإيطاليا.
كما شملت الحوادث 6 هجمات إلكترونية أو عمليات مرتبطة بالحرب الإلكترونية، إلى جانب 5 حوادث بحرية وصفت بأنها عدائية.
وتعكس هذه الأرقام، وفق الطرح الذي يستند إليه إغناتيوس، اتساع نطاق الضغوط الروسية على الدول الأوروبية التي تقدم دعمًا عسكريًا وسياسيًا لأوكرانيا.
اتهامات لروسيا بتنفيذ أعمال تخريب وهجمات بطائرات مسيرة
اتهامات لروسيا بتنفيذ أعمال تخريب وهجمات بطائرات مسيرة
وأشار إغناتيوس إلى أن ألمانيا اتهمت موسكو بالوقوف وراء هجوم بطائرة مسيرة استهدف طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ.
كما واجهت بريطانيا على مدى أكثر من عام سلسلة من أعمال التخريب التي نسبت إلى روسيا، في وقت أعلنت فيه لندن عن تعاون مع فرنسا لمساعدة كييف في تصنيع صواريخ موجهة.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا، بالتزامن مع مخاوف متزايدة من انتقال العمليات الروسية غير التقليدية إلى دول أخرى في القارة.
ويرى الكاتب أن توسع هذه العمليات يضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على الردع من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية شاملة مع روسيا.
بوتين يواصل الضغط العسكري على أوكرانيا
بوتين يواصل الضغط العسكري على أوكرانيا
وفي الجانب العسكري، أشار إغناتيوس إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كثف قصفه على مصانع الأسلحة والمدن الأوكرانية، رافضًا رسائل التحذير الأمريكية التي نقلها مدير وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي إيه” جون راتكليف خلال زيارته موسكو مؤخرًا.
وبحسب المقال، يفضل بوتين إجراء المفاوضات عبر القنوات المقربة من ترامب، في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية الروسية داخل أوكرانيا.
ويعكس ذلك، وفق قراءة الكاتب، استمرار الفجوة بين المسار الدبلوماسي والمسار العسكري، وعدم وجود مؤشرات كافية حتى الآن على تسوية نهائية تنهي الحرب.
إغناتيوس يدعو واشنطن للعودة إلى القيادة
إغناتيوس يدعو واشنطن للعودة إلى القيادة
ويخلص إغناتيوس إلى أن الحل، من وجهة نظره، يتمثل في أن تعود أمريكا إلى التصرف باعتبارها قوة عظمى وقائدة للتحالف عبر الأطلسي.
ويدعو الكاتب الإدارة الأمريكية إلى إصدار تحذير مشترك مع الحلفاء الأوروبيين، يتضمن التأكيد على أن استمرار الهجمات الروسية ضد دول الناتو سيؤدي إلى “عواقب وخيمة”.
كما يقترح أن تقدم الولايات المتحدة وأوروبا دعمًا لأوكرانيا بعيدًا عن الأضواء لتنفيذ ضربات متناسبة داخل روسيا، في حال استمرت الهجمات على المدن الأوكرانية.
ويضع هذا الاقتراح واشنطن أمام معادلة شديدة الحساسية، إذ إن تقديم دعم مباشر لضربات داخل روسيا قد يزيد الضغط على موسكو، لكنه في المقابل يحمل مخاطر تصعيد أكبر بين روسيا والدول الغربية.
تحذير من سحب القوات الأمريكية من أوروبا
تحذير من سحب القوات الأمريكية من أوروبا
كما حث الكاتب وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” على وقف مراجعة انتشار القوات الأمريكية في أوروبا، مؤكدًا أن المرحلة الحالية ليست مناسبة لمناقشة سحب القوات.
ويرى إغناتيوس أن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا لا يرتبط فقط بالدفاع عن دول الحلف، وإنما يمثل عنصرًا أساسيًا في الردع ومنع سوء تقدير موسكو لحجم استعداد الغرب للرد.
ودعا كذلك إلى إتاحة جزء من الإنتاج العسكري الأمريكي المتزايد لأوروبا وأوكرانيا، بما يعزز قدرات الحلفاء ويدعم كييف في مواجهة القوات الروسية.
هل تتجه الحرب نحو مواجهة أوسع؟
هل تتجه الحرب نحو مواجهة أوسع؟
تأتي تحذيرات إغناتيوس في ظل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، وتزايد المخاوف الأوروبية من أن تتحول العمليات غير التقليدية، مثل الهجمات السيبرانية والتخريب والطائرات المسيرة، إلى مواجهات أكثر مباشرة.
ويرى الكاتب أن الخطر لا يكمن فقط في هجوم روسي متعمد على دولة عضو في الناتو، بل أيضًا في احتمال وقوع حادث عسكري يؤدي إلى سقوط ضحايا داخل أراضي دولة عضو، ثم تجد الحكومات نفسها أمام ضرورة اتخاذ قرار سريع بشأن كيفية الرد.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح قوة الردع مرتبطة ليس فقط بالقدرات العسكرية، وإنما أيضًا بمدى وضوح الرسائل السياسية والاستعداد لتنفيذها.