تتزامن المسارات التفاوضية في لبنان وسورية مع استمرار التصعيد الإسرائيلي على الأرض، في مشهد يطرح تساؤلات حول أهداف تل أبيب من الجمع بين المفاوضات والتحركات العسكرية. فبينما تسعى بيروت ودمشق إلى خفض التصعيد والتوصل إلى تفاهمات أمنية، تواصل إسرائيل غاراتها وتوغلاتها وتشديد شروطها، بالتوازي مع رفع مستوى الجاهزية على عدة جبهات.

وتكشف التطورات الأخيرة عن سياسة إسرائيل في التفاوض والتصعيد، التي تقوم على التحرك في المسارين السياسي والعسكري في الوقت نفسه، وسط محاولات لتحويل ما تعتبره مكاسب ميدانية إلى ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.

مفاوضات في لبنان وسورية وسط تصعيد إسرائيلي

مفاوضات في لبنان وسورية وسط تصعيد إسرائيلي
مفاوضات في لبنان وسورية وسط تصعيد إسرائيلي

تجري في لبنان وسورية مسارات تفاوضية تهدف إلى التوصل لتفاهمات أمنية وخفض مستوى التوتر، إلا أن هذه التحركات السياسية تترافق مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وفي لبنان، تشهد الحدود الجنوبية تصعيداً ميدانياً بالتزامن مع تمسك بيروت بالتفاوض، فيما يؤكد الرئيس اللبناني جوزاف عون أن المفاوضات تمثل سبيلاً لتحرير الجنوب ونشر الجيش اللبناني على طول الحدود.

أما في سورية، فتستمر التوغلات الإسرائيلية وعمليات الدهم والتفتيش والاعتقال في القنيطرة ودرعا ومحيط دمشق، رغم انعقاد اجتماع في عمّان بوساطة أمريكية جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين لبحث خفض التصعيد.

ويعكس هذا المشهد جانباً أساسياً من سياسة إسرائيل في التفاوض والتصعيد، إذ يستمر الحوار السياسي بالتوازي مع التحركات العسكرية على الأرض.

غارات إسرائيلية وتوغل في جنوب لبنان

غارات إسرائيلية وتوغل في جنوب لبنان
غارات إسرائيلية وتوغل في جنوب لبنان

شهد جنوب لبنان غارات إسرائيلية مكثفة، بالتزامن مع توغل قوة عسكرية ترافقها دبابات وجرافات في أطراف ميس الجبل.

كما أسفرت غارة إسرائيلية على عربصاليم في النبطية، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن استشهاد شابة وإصابة ستة أشخاص.

وقالت إسرائيل إن الغارات استهدفت بنى تحتية لحزب الله، وربطتها بإطلاق مسيرتين مفخختين باتجاه قواتها في مرتفعات علي الطاهر، بينما لم يصدر عن حزب الله بيان بشأن هذه الرواية.

ويأتي التصعيد في وقت تتمسك فيه السلطات اللبنانية بالمسار التفاوضي، ما يضع التحركات الإسرائيلية أمام تساؤلات بشأن مدى انسجام العمل العسكري مع الجهود الرامية إلى خفض التوتر.

استمرار التوغلات الإسرائيلية في سورية

استمرار التوغلات الإسرائيلية في سورية
استمرار التوغلات الإسرائيلية في سورية

في سورية، تواصل القوات الإسرائيلية تحركاتها في مناطق من الجنوب، بما يشمل القنيطرة ودرعا ومحيط دمشق، مع استمرار عمليات الدهم والتفتيش والاعتقال.

وتأتي هذه التطورات بعد اجتماع عقد في العاصمة الأردنية عمّان بوساطة أمريكية، لبحث ترتيبات مرتبطة بخفض التصعيد بين الجانبين السوري والإسرائيلي.

ورغم تمسك دمشق بالتفاوض، تستمر إسرائيل في الحفاظ على وجود عسكري في الجنوب السوري، الأمر الذي يزيد تعقيد المسار السياسي ويجعل الوصول إلى تفاهمات مستقرة أكثر صعوبة.

وتظهر هنا مجدداً سياسة إسرائيل في التفاوض والتصعيد، حيث يتزامن المسار الدبلوماسي مع استمرار التحركات الميدانية.

الضفة الغربية ومشروع “إي 1”

الضفة الغربية ومشروع "إي 1"
الضفة الغربية ومشروع “إي 1”

لا يقتصر التصعيد الإسرائيلي على لبنان وسورية، بل يمتد إلى الضفة الغربية، حيث تتخذ إسرائيل خطوات مرتبطة بتنفيذ مشروع «إي 1»، بالتزامن مع تهجير تجمعات فلسطينية على يد المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال.

ويثير المشروع مخاوف فلسطينية ودولية من تداعياته على الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، في ظل استمرار الاستيطان ومحاولات تغيير الواقع الميداني.

وتأتي هذه التحركات في وقت تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية، وسط احتدام المنافسة داخل معسكر اليمين، الأمر الذي يضيف بعداً سياسياً إلى القرارات المتعلقة بالأمن والاستيطان والسياسة الخارجية.

القوة العسكرية في صلب النهج الإسرائيلي

القوة العسكرية في صلب النهج الإسرائيلي
القوة العسكرية في صلب النهج الإسرائيلي

يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي جاكي خوري أن السلوك الإسرائيلي الحالي ليس جديداً، وإن اختلفت وتيرته وحدته، مشيراً إلى أن طبيعة التحرك الإسرائيلي ترتبط بميزان الردع وبمدى وجود أطراف دولية وإقليمية قادرة على وضع ضوابط أمام إسرائيل.

وأوضح خوري أن الاستيطان والتوسع يمثلان فرضاً للوقائع بالقوة، لافتاً إلى أن عوامل داخلية وإقليمية ودولية كانت تفرض سابقاً قيوداً على هامش الحركة الإسرائيلي، ومن بينها الموقف الأمريكي والاعتبارات المرتبطة بالقانون الدولي.

وبحسب خوري، ترى الحكومة الإسرائيلية الحالية في القوة وسيلة لتثبيت الواقع، خصوصاً في ظل الضغوط السياسية التي يواجهها بنيامين نتنياهو، وسعيه إلى الظهور أمام قاعدته اليمينية باعتباره الطرف الأقوى مع اقتراب الانتخابات.

إسرائيل تستفيد من الظروف الإقليمية والدولية

إسرائيل تستفيد من الظروف الإقليمية والدولية
إسرائيل تستفيد من الظروف الإقليمية والدولية

من جانبه، قال مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مروان قبلان، إن إسرائيل تستفيد من مجموعة من الظروف الفلسطينية والعربية والدولية لفرض واقع جديد بالقوة.

وأشار قبلان إلى حالة عدم الاستقرار والانقسام الفلسطيني، إلى جانب ضعف الموقف العربي، معتبراً أن المشهد الدولي الحالي، وخصوصاً في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوفر لإسرائيل فرصة لتعزيز تحركاتها في المنطقة.

وأضاف أن إسرائيل تتعامل مع غزة والضفة الغربية وسورية ولبنان باعتبارها ساحات مترابطة، وتسعى إلى إقامة مناطق عازلة وترتيبات أمنية جديدة، تحت ذريعة منع تكرار هجوم السابع من أكتوبر.

لماذا تفاوض إسرائيل رغم استمرار التصعيد؟

لماذا تفاوض إسرائيل رغم استمرار التصعيد؟
لماذا تفاوض إسرائيل رغم استمرار التصعيد؟

يربط جاكي خوري استمرار التفاوض بعدة عوامل، في مقدمتها الضغط الأمريكي والحسابات الإسرائيلية الداخلية والإقليمية، ولا سيما في ما يتعلق بلبنان وسورية.

ويرى خوري أن إسرائيل تراهن على إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع الحكومة اللبنانية، خصوصاً بشأن حزب الله ومسألة سلاحه.

في المقابل، يستبعد مروان قبلان أن يقدم نتنياهو، قبل الانتخابات، على إبرام اتفاقات تفرض على إسرائيل تقديم تنازلات أو الانسحاب من الأراضي التي احتلتها.

وتشير هذه القراءة إلى أن سياسة إسرائيل في التفاوض والتصعيد قد تستمر كأداة مزدوجة، بحيث تستخدم تل أبيب المفاوضات لاختبار فرص تثبيت مكاسبها، بالتوازي مع استمرار الضغط الميداني لرفع سقف مطالبها.

تحويل المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية

تحويل المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية
تحويل المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية

يرى قبلان أن إسرائيل تسعى على المدى البعيد إلى تحويل المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية، من خلال اتفاقات وترتيبات أمنية تكرس الواقع الذي فرضته ميدانياً.

ويعني ذلك أن المفاوضات قد لا تكون منفصلة عن التحركات العسكرية، بل يمكن أن تشكل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بإسرائيل.

ومن هنا يبرز السؤال حول طبيعة المسار التفاوضي: هل يمثل طريقاً فعلياً لإنهاء المواجهات، أم وسيلة لتثبيت وقائع فرضتها القوة العسكرية؟

تكشف التطورات في لبنان وسورية والضفة الغربية عن تداخل واضح بين التحرك السياسي والعسكري الإسرائيلي، في وقت تسعى فيه بيروت ودمشق إلى الاستفادة من المفاوضات لخفض التصعيد، بينما تواصل إسرائيل غاراتها وتوغلاتها وتتمسك بشروطها الأمنية.

وتشير التحليلات الواردة في المادة إلى أن سياسة إسرائيل في التفاوض والتصعيد ترتبط بمحاولة استثمار الظروف الإقليمية والدولية لتحويل نتائج التحركات العسكرية إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية واستمرار الضغوط الداخلية على حكومة نتنياهو، يبقى السؤال الأبرز حول قدرة المفاوضات على إنتاج تفاهمات حقيقية توقف التصعيد، أم أنها ستبقى مرتبطة بموازين القوة والوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض.

 

شاركها.