الرصد الإخباري – خاص مركز بيروت للأخبار

تتعمق تداعيات الأزمات المتراكمة في لبنان لتطال بصورة متزايدة الأطفال والأسر الأكثر هشاشة، وسط مؤشرات مقلقة تكشف اتساع رقعة الحرمان الغذائي والصحي والاجتماعي، في بلد لم يتمكن حتى الآن من تجاوز آثار الأزمة الاقتصادية والمصرفية التي بدأت عام 2019، فيما أضافت الحروب والاعتداءات الأخيرة أعباء جديدة على مجتمع يعاني أساساً من تراجع قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية.

وبحسب تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، أفادت 28% من الأسر بأن أطفالها ذهبوا إلى الفراش وهم جائعون، فيما لا تتمكن سوى 10% من الأسر التي لديها أطفال دون الخامسة من العمر من توفير نظام غذائي متنوع بما يكفي لأطفالها.

وتقول اليونيسف إن هذه الأرقام تأتي في وقت عمّقت فيه الأعمال العدوانية آثار سنوات من الأزمة الاقتصادية، ودفعت المزيد من الأسر إلى تقليص إنفاقها على الاحتياجات الأساسية.

أزمات متراكمة وحروب أنهكت المجتمع

محلياً، لا يمكن فصل هذه المؤشرات عن الظروف التي مر بها لبنان خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما تداعيات الحروب وما رافقها من تهجير ونزوح وتدمير لمصادر رزق زراعية وصناعية وسياحية، إضافة إلى عشرات آلاف العائلات التي وجدت نفسها أمام ظروف اقتصادية واجتماعية أكثر صعوبة.

ويتزامن ذلك مع استمرار الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019 من دون معالجة جذرية لأسبابها، إلى جانب الأزمة المصرفية وما ترتب عليها من خسارة المودعين القدرة على الوصول إلى جزء كبير من ودائعهم، فضلاً عن استمرار مشكلات الفساد والهدر والمحاصصة، وما تتركه من انعكاسات على المالية العامة وقدرة الدولة على تخصيص التمويل الكافي لشبكات الأمان الاجتماعي.

الرعاية الصحية خارج قدرة الكثير من الأسر

ولا يقتصر الحرمان على الغذاء. فبحسب التقرير، أفادت 31% من الأسر بأن أطفالها لم يحصلوا على الرعاية الصحية التي كانوا يحتاجون إليها، ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى عدم قدرة الأسر على تحمل كلفة العلاج.

وتكشف هذه النسبة عن بُعد آخر للأزمة، إذ لم يعد التحدي مقتصراً على تأمين الغذاء اليومي، بل بات يشمل قدرة العائلات على توفير العلاج والرعاية الصحية والتعليم لأطفالها.

أطفال لبنان إلى سوق العمل

ومن المؤشرات الأكثر خطورة، إفادة 14% من الأسر بأن لديها طفلاً واحداً على الأقل منخرطاً في سوق العمل، وهي نسبة تزيد بأكثر من الضعف مقارنة بما سجلته اليونيسف في كانون الثاني/يناير 2025.

ويعكس ارتفاع عمالة الأطفال حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، والتي تدفع بعضها إلى اللجوء إلى أبنائها للمساهمة في تأمين الدخل، بما يحمله ذلك من مخاطر على تعليم الأطفال ونموهم الجسدي والنفسي ومستقبلهم.

المطلوب شبكة أمان ودعم عاجل

وأمام هذه المؤشرات، تصبح المعالجة مرتبطة أولاً بتوفير دعم محلي ودولي عاجل للحد من تفاقم الأزمة، بالتوازي مع تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي وتوجيه الموارد إلى الغذاء والصحة والتعليم وحماية الأطفال من الاضطرار إلى دخول سوق العمل في سن مبكرة.

فالمسألة لا تتعلق بمعالجة أزمة آنية فحسب، بل بمنع تداعيات قد تستمر لأجيال. والأطفال الذين يتعرضون اليوم للحرمان الغذائي أو الصحي، أو يتركون مقاعد الدراسة ويتجهون إلى العمل، يواجهون مخاطر جسدية ونفسية واجتماعية يمكن أن ترافقهم سنوات طويلة.

وبحسب تحذيرات اليونيسف، لا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الاحتياجات اليومية، بل تمتد إلى مستقبل الأطفال والشباب في لبنان، إذ إن تراجع قدرة الأسر على تأمين الغذاء والصحة والتعليم يهدد بترك آثار طويلة الأمد على جيل كامل، ما يجعل حماية الأطفال اليوم استثماراً أساسياً في مستقبل لبنان نفسه.

المصدر: منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)

شاركها.