الرصد الإخباري – خاص مركز بيروت للأخبار
تحوّل مجرى الغدير، الممتد من أعالي قضاء عاليه وصولًا إلى محيط مطار رفيق الحريري الدولي والبحر، من مجرى طبيعي إلى ما يشبه مجرورًا مكشوفًا، تتجمع فيه مياه الصرف الصحي ومخلفات مختلفة، في مشكلة لم تعد بيئية وصحية فحسب، بل باتت ترتبط مباشرة بسلامة الطيران نتيجة استقطاب أعداد من الطيور إلى محيط المطار.
وتشير المعطيات المطروحة إلى أن المشكلة تبدأ من أعالي قضاء عاليه ولا تقتصر على الضاحية الجنوبية، إذ تتداخل شبكات الصرف الصحي في بعض المناطق مع شبكات تصريف مياه الأمطار، لتصب في مجرى الغدير، فيما تضاف إليها نفايات ومخلفات، بينها ما يأتي من بعض المصانع والمسالخ، وصولًا إلى بقايا ودماء ناتجة عن أعمال الذبح.
وتزداد خطورة المشهد مع وجود مصبات تنقل المياه الآسنة باتجاه البحر، أحدها قريب من الشاطئ وآخر يمتد إلى مسافة تقارب كيلومترين في البحر، فضلًا عن نشاط شاحنات نقل الصرف الصحي وشبكات وأنابيب تصب في المنطقة.
هذه المواد العضوية والمغذيات لا تتسبب فقط بالروائح الكريهة والتلوث، بل تؤدي إلى سلسلة بيئية خطرة تبدأ بوصولها إلى البحر، حيث تجذب بعض أنواع الأسماك التي تتغذى عليها، ومن ثم تستقطب الأسماك الطيور الباحثة عن الغذاء.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع وجود أبنية ومنازل ومصادر صرف غير شرعية في محيط المطار، يُشار إلى أن بعضها يصرف مياهه المبتذلة في نطاق حرم المطار ومحيطه، ما يوفر بدوره بيئة إضافية جاذبة للطيور.
وبذلك تصبح الأزمة متعددة الأبعاد: تلوث وروائح كريهة ومخاطر صحية وبيئية، وصولًا إلى الخطر الأكثر حساسية المتمثل باحتمال اصطدام الطيور بالطائرات خلال الإقلاع أو الهبوط.
حل عاجل لـ40% من المشكلة
ورغم أن معالجة ملف الصرف الصحي ترتبط أساسًا بالجهات المعنية بالمياه والطاقة ومجلس الإنماء والإعمار، فإن ارتباط الأزمة المباشر بسلامة الطيران دفع وزارة الأشغال العامة والنقل إلى التدخل بحثًا عن إجراءات عاجلة في محيط المطار.
وتقوم المقاربة المطروحة على الفصل بين بعض مسارات الصرف الصحي وشبكات تصريف مياه الأمطار في المنطقة، باعتبار أن انتظار معالجة المشكلة من أعالي مجرى الغدير وصولًا إلى البحر قد يستغرق سنوات.
وبحسب المعطيات المطروحة، يمكن للإجراءات العاجلة في الضاحية ومحيط المطار أن تعالج نحو 40% من المشكلة، فيما تبقى قرابة 60% مرتبطة بحلول أوسع يفترض أن تتولاها الجهات المختصة، وفي مقدمها مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الطاقة والمياه.
رفع قدرة محطة الغدير إلى 280 ألف متر مكعب
وفي موازاة الإجراءات العاجلة، يجري العمل على تطوير محطة الغدير لمعالجة مياه الصرف الصحي، بعدما تم تأمين قرض من البنك الإسلامي للتنمية للمشروع.
ويهدف التطوير إلى رفع مستوى المعالجة وتوسيع القدرة الاستيعابية للمحطة من نحو 100 ألف متر مكعب إلى 280 ألف متر مكعب، بما يسمح باستيعاب كميات أكبر من مياه الصرف.
ومن أبرز عناصر المشروع أيضًا إدخال مرحلة معالجة الحمأة (Sludge)، وهي من المراحل الأساسية في معالجة مخلفات الصرف الصحي والحد من آثارها البيئية.
الغذاء يجذب الطيور… والخطر يصل إلى الطائرات
المعادلة تبدو بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه: كلما توافرت مصادر الغذاء في البر والبحر، ازداد استقطاب الطيور إلى المنطقة.
فالصرف الصحي والمخلفات العضوية تجذب الأسماك والطيور، فيما تشكل النفايات ومصادر الغذاء الأخرى عامل جذب إضافيًا، الأمر الذي يجعل معالجة مشكلة الطيور في محيط المطار غير ممكنة فقط عبر إبعادها، بل تستوجب بالدرجة الأولى إزالة الأسباب التي تدفعها إلى التجمع في المكان.
فالخطر الحقيقي لا يتوقف عند مشهد الطيور أو الروائح والتلوث، بل يصل إلى اللحظة التي يمكن أن يحدث فيها اصطدام بين طائر وطائرة أثناء مرحلة حساسة من مراحل الطيران.
وهنا تصبح معالجة مجرى الغدير ومصادر الصرف والنفايات المحيطة بالمطار قضية تتجاوز النظافة والبيئة والصحة العامة، لتتحول إلى مسألة سلامة طيران وأمن عام تستوجب معالجة عاجلة ومتوازية من جميع الجهات المعنية.
