لم تكن لافينيا فونتانا مجرد رسامة إيطالية عاشت في أواخر عصر النهضة، بل كانت امرأة استطاعت أن تفرض اسمها في عالم فني هيمن عليه الرجال، وأن تتجاوز الحدود التي رُسمت للفنانات في عصرها. وبين صورها الذاتية التي عكست الأناقة والاحتشام، ولوحاتها الأسطورية الجريئة، تبرز قصة فنانة لا تزال أعمالها تثير تساؤلات مؤرخي الفن حتى اليوم.

وجه محتشم وأعمال تتحدى المألوف
وجه محتشم وأعمال تتحدى المألوف

وجه محتشم وأعمال تتحدى المألوف

امرأة صنعت لنفسها مكانة في عالم الرجال

وُلدت لافينيا فونتانا في مدينة بولونيا الإيطالية عام 1552، وتُعدّ من أبرز الفنانات اللواتي نجحن في بناء مسيرة مهنية مستقلة خلال عصر النهضة. وقد اشتهرت برسم البورتريهات، قبل أن تتوسع أعمالها لتشمل الموضوعات الدينية والأسطورية، وهي مجالات لم تكن متاحة بسهولة للنساء في ذلك الوقت.

وتُظهر سيرتها كيف استطاعت أن تحوّل موهبتها إلى مهنة معترف بها، وأن تحصل على تكليفات فنية مهمة، متجاوزة التصورات السائدة بشأن حدود ما يمكن للمرأة أن تنجزه في عالم الرسم.

صورة ذاتية تخفي أكثر من حكاية

أناقة وثراء واعتزاز بالمهنة

في صورتها الذاتية المؤرخة بعام 1577، تظهر فونتانا جالسة أمام آلة موسيقية تُعرف باسم «السبينيت»، مرتدية ثوبًا فاخرًا ومتزينة بالمجوهرات. وتقدّم اللوحة صورة امرأة مثقفة تنتمي إلى طبقة اجتماعية ميسورة، وتحرص على إظهار مكانتها ومهاراتها.

لكن وجود حامل للرسم في خلفية اللوحة يضيف دلالة مهمة؛ فهو يشير إلى اعتزازها بعملها الفني وهويتها المهنية. لم تكن فونتانا تعرض نفسها بوصفها امرأة ذات مكانة اجتماعية فحسب، بل بوصفها فنانة تعرف قيمة مهنتها وتسعى إلى تثبيت حضورها.

«مينيرفا أثناء ارتداء ملابسها».. اللوحة التي أثارت التساؤلات
«مينيرفا أثناء ارتداء ملابسها».. اللوحة التي أثارت التساؤلات

«مينيرفا أثناء ارتداء ملابسها».. اللوحة التي أثارت التساؤلات

جرأة فنية في عمل يعود إلى عام 1613

يظهر الوجه الآخر للفنانة في لوحتها الشهيرة «مينيرفا أثناء ارتداء ملابسها»، التي رسمتها عام 1613 بتكليف من الكاردينال سكيبيوني بورغيزي. وتُصوّر اللوحة الإلهة الرومانية مينيرفا، المرتبطة بالحكمة والفنون والحرب، في لحظة استعداد لارتداء ثوب فاخر بعد وضع أسلحتها جانبًا.

وتبدو الشخصية الأسطورية في وضع غير مألوف، بينما تضفي نظرتها واتجاه جسدها على المشهد طابعًا يجمع بين الحياء والإيحاء. كما يبرز التباين بين الجسد العاري والثياب المطرزة بعناية، في معالجة فنية تتجاوز الصورة التقليدية للإلهة المحاربة.

وتؤكد بيانات مجموعة غاليريا بورغيزي أن اللوحة أُنجزت عام 1613، وأنها ارتبطت بمجموعة الكاردينال سكيبيوني بورغيزي. ويمكن الاطلاع على تفاصيل العمل في الموقع الرسمي للمجموعة.

هل كانت فونتانا رائدة في رسم العري الأنثوي؟
هل كانت فونتانا رائدة في رسم العري الأنثوي؟

هل كانت فونتانا رائدة في رسم العري الأنثوي؟

أعمال تتجاوز الصورة التقليدية للفنانة

لم تقتصر أهمية فونتانا على تصوير الشخصيات الدينية أو رسم بورتريهات النبلاء، بل امتدت إلى أعمال أسطورية تضمنت أجسادًا عارية وموضوعات ذات إيحاءات حسية. وقد أعادت دراسات فنية حديثة تسليط الضوء على هذا الجانب من إنتاجها، بعدما ظل الاهتمام منصبًا إلى حد كبير على شهرتها في رسم البورتريهات.

وتشير دراسات متخصصة إلى أن فونتانا كانت من أوائل الفنانات اللواتي تناولن الجسد الأنثوي العاري في أعمالهن ضمن عالم الفن الاحترافي. لكن وصفها بأنها «الأولى» بصورة مطلقة يحتاج إلى بعض الحذر، إذ يصعب حسم الأولوية التاريخية في هذا المجال من دون تحديد المقصود بنوع العمل والفترة الفنية.

واللافت أن النساء في عصرها واجهن قيودًا في التدريب الفني، خصوصًا في ما يتعلق بدراسة الجسد العاري من نماذج حية، وهي ممارسة كانت جزءًا أساسيًا من تكوين كثير من الفنانين الرجال. ومع ذلك، وجدت فونتانا طريقها إلى موضوعات لم تكن تُعدّ مألوفة في أعمال النساء.

بين الطموح المهني والجرأة الشخصية

هل كانت اللوحات تمردًا أم خيارًا فنيًا؟

تفتح أعمال فونتانا الباب أمام تفسيرات متعددة. فهل كانت جرأتها الفنية تعبيرًا عن رغبة في تحدي القيود الاجتماعية المفروضة على النساء؟ أم أنها استجابت لمتطلبات الرعاة الأثرياء الذين كانوا يكلّفون الفنانين بإنجاز لوحات أسطورية ذات طابع حسي؟ أم أن الأمر يعكس ببساطة تنوع اهتماماتها وقدرتها على التعامل مع موضوعات فنية مختلفة؟

لا توجد إجابة قاطعة تحسم هذه الأسئلة. لكن تكليف الكاردينال بورغيزي بلوحة «مينيرفا أثناء ارتداء ملابسها» يوضح أن أعمالها الجريئة لم تكن منفصلة عن عالم الرعاية الفنية والذوق السائد لدى بعض جامعي اللوحات في عصرها.

كما أن الجمع بين النجاح المهني والصورة الاجتماعية المحترمة لا يعني بالضرورة غياب الاهتمامات الفنية الجريئة. فشخصية الفنانة، مثل أي شخصية تاريخية، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة أو تفسير أعمالها من خلال افتراضات لا تدعمها الأدلة.

معرض جديد يعيد اكتشاف الفنانات المنسيات

لافينيا فونتانا في واجهة النقاش حول تاريخ الفن

عاد الاهتمام بالفنانات اللواتي لم يحصلن على المكانة التي يستحقنها في كتب تاريخ الفن، مع معارض تسعى إلى إبراز إنجازات النساء اللواتي عملن بين القرنين السادس عشر والسابع عشر.

وتشارك أعمال فونتانا في معرض «امرأة رسامة» في المتحف الوطني في أوسلو، الذي يستمر حتى 7 فبراير/شباط 2027، ويجمع أعمالًا لفنانات من أوروبا في الفترة الممتدة بين عامي 1550 و1650. ويهدف المعرض إلى تقديم صورة أوسع عن حضور النساء في الحياة الفنية، بعيدًا عن الاعتقاد بأنهن كنّ مجرد استثناءات في عالم يهيمن عليه الرجال.

وتُعيد هذه المعارض طرح سؤال مهم: هل كانت النساء أقل قدرة على الإبداع، أم أن القيود الاجتماعية والمؤسسات الفنية هي التي حدّت من فرص ظهورهن والاعتراف بإنجازاتهن؟

إرث فني لا يزال يثير الجدل
إرث فني لا يزال يثير الجدل

إرث فني لا يزال يثير الجدل

فنانة يصعب حصرها في صورة واحدة

توفيت لافينيا فونتانا في روما عام 1614، لكنها تركت إرثًا فنيًا يكشف عن مسيرة استثنائية لامرأة نجحت في العمل ضمن بيئة شديدة التنافس والقيود.

وبين صورتها الذاتية الأنيقة ولوحاتها الأسطورية الجريئة، لا تبدو فونتانا شخصية متناقضة بقدر ما تبدو فنانة متعددة الجوانب، رفضت أن تحصر موهبتها في الموضوعات التي اعتُبرت مناسبة للنساء.

وربما تكمن أهمية قصتها اليوم في أنها لا تتعلق بلوحة جريئة فحسب، بل بتاريخ طويل من التساؤلات حول من يملك حق رسم الجسد، ومن يحدد حدود الفن، ولماذا بقيت إنجازات عدد من الفنانات بعيدًا عن الأضواء لقرون.

اقرأوا المقال كاملًا في مركز بيروت للأخبار.

شاركها.