شهدت عملة البيتكوين والعملات المشفرة الأخرى، تراجعًا من أعلى مستوى لها فى عام 2023 خلال شهر أيار الماضي، حيث ضيقت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية والهيئات التنظيمية في العالم الخناق على سوق التشفير بسبب الاجراءات التنظيمية.
وعلى مدار شهري آذار ونيسان الماضيين، تزايد اقبال المستثمرين على شراء عملة البيتكوين وغيرها من العملات الرقمية، بسبب مخاوف انتشار عدوي الأزمات المصرفية بعد انهيار البنوك في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن المخاوف حيال استقرار النظام المصرفي الأميركي سرعان ما تبخرت بنفس السرعة التي وصلت إليها؛ مما أدى إلى نهاية للارتفاع السريع.
ولكن لا يزال سوق التشفير يركز على العمليات التنظيمية المناهضة للتشفير فى جميع أنحاء العالم، حيث يضع المنظمون قواعد جديدة للسيطرة على ادارة تداول العملات الرقمية، كما يأمل مجتمع التشفير أن يقوم البنك الاحتياطي الفيدرالي في النهاية بوقف موقّت لرفع سعر الفائدة الشهر الحالي، أو على الأقل أن يعطي تلميجات بالاقتراب من نهاية دورة رفع سعر الفائدة
لقد أدى زيادة عدم اليقين تجاه العمليات التنظيمية في سوق التشفير إلي هبوط سعر البيتكوين إلى أقل من 28000 دولار في شهر أيار الماضي، ولكن الأسعار استقرت في الأسابيع الأخيرة من الشهر حيث تقلصت التقلبات بشكل كبير.
وعلى مدار شهر أيار، انخفضت البيتكوين بنسبة 6%، لكنها لا تزال محققة مكاسب بأكثر من 66% منذ بداية العام، وهبطت أسعار الإثيريوم بأقل من 1% خلال أيار، وحققت ارتفاعا بنسبة 58% بشكل عام حتى الآن منذ بداية العام.
وقد أغلقت البيتكوين تعاملات الشهر الماضي فوق مستوى 27000 دولار، كما استقرت عملة الإثيريوم فوق مستوى 1860 دولار مع نهاية شهر أيار، بعد تراجعها إلى 1740 دولارًا
وعلى الرغم من الانتعاش الكبير التي حققته العملة المشفرة الرائدة منذ عام حتى تاريخه، إلا إنها ظلت متراجعة بأكثر من 60% من أعلى مستوياتها على الإطلاق عند 68700 دولار، التي سجلتها في شهر تشرين الثاني 2021.
استمرار قمع العملات المشفرة
تقوم بورصات العملات المشفرة بوضع استراتيجيات لكيفية الاستجابة للحملات التنظيمية المستمرة ضد التشفير، التي تقوم بها هيئة الاوراق المالية والبورصات. وفي شهر أيار، قال الرئيس التنفيذي لبورصة كوينبيز “براين أرمسترونج” أن وجهة نظر رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات “جاري جينسلر” للتشفير مناهضة، وأن الدعاوى القضائية الخاصة باللجنة ضد بورصة “كوينبيز” وشركة “ريبل” غير نافعة لصناعة التشفير فى الولايات المتحدة
وأشار كبير المسؤولين الاستراتيجيين لدي بورصة “بينانس”، وهى أكبر بورصة للعملات الرقمية في العالم، باتريك هيلمان، في شهر أيار، إلى أنّه “لقد أصبح العمل في الولايات المتحدة أمر صعب للغاية”، وتبذل البورصة قصاري جهدها ليتم تنظيمها فى المملكة المتحدة.
وقامت لجنة تداول السلع الآجلة باتخاذ اجراء قانونى ضد بورصة “بينانس” في شهر آذار، وتزعم اللجنة أن البورصة تعدت على العديد من قوانين الأوراق المالية من خلال التماس العملاء الاميركيين بشكل غير قانوني.
يُقال إن بورصة “كوينبيز” وشركة “ريبل” بالإضافة إلى شركات تشفير أخرة، تستكشف نقل أعمالها خارج الولايات المتحدة لتجنب الاجراءات التنظيمية. وفي الوقت نفسه، ويقول المنظمون إنه يجب اتخاذ المزيد من وسائل الحماية للمساهمة في حماية المستثمرين ضد أية أنواع الاخفاقات التي أدت إلى انهيار الكثير من المقرضين والبورصات المشفرة فى عام 2022
ويذكر أحد خبراء السوق، أن الحملات التنظيمية المستمرة المناهضة للتشفير والمعارك القانونية مع شركة “ريبل” وبورصة “كوينبيز”، ستستمر فى السيطرة على الأخبار الرئيسية خلال الأشهر القادمة.
من الضروري أن تبقى الحملات التنظيمية في دائرة اهتمام مستثمري ومسؤولي صناعة التشفير، بسبب التداعيات على العملات الرقمية والبورصات وشهية الصناعة المصرفية لشركات التشفير، ومن المتوقع أن تبقى الإستثمارات المؤسسية في التشفير مقيدة حتى يتضح العمليات التنظيمية.
وقال “إيون يونغ تشوي” مدير الفريق الوطني لإنفاذ العملات المشفرة بوزارة العدل، في أيار، إن وزارة العدل تكثف إنفاذها على شركات التشفير التي ترتكب جرائم أو تسمح باستخدام العملات المشفرة في غسيل الأموال. وأضاف أن لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الكثير من الشركات عندما يتعلق الأمر بحملات التشفير.
مزيد من البورصات تسعي لنقل أعمالها خارج الولايات المتحدة
في أيار، أفادت وكالة بلومبرغ أن “Jane Street Group” و”Jump Crypto”، وهما من أكبر صانعي السوق في مجال العملات المشفرة، كانا يخططان لاستعادة أعمالهما المتعلقة بالعملات المشفرة. وتخطط “Jane Street” لتقليل أثرها العالمي للعملات المشفرة، بينما تخطط “Jump Crypto” للتراجع عن أعمالها المشفرة في الولايات المتحدة والتركيز على التوسع دوليًا.
امتد عدم الاستقرار في القطاع المصرفي الأميركي إلى أيار، مع البيع القسري لبنك “First Republic” إلى بنك “جي بي مورغان”. وفي حدث “JPMorgan Investor Day” في أيار، أخبر الرئيس التنفيذي للبنك جيمي ديمون، المستثمرين أنهم يجب أن يكونوا مستعدين لمعدلات فائدة 6% أو 7%، مما قد يزيد من تشديد شروط الائتمان ويضغط على محافظ القروض المصرفية.
ويقول أحد المحللين إن المستثمرين القلقين بشأن استقرار الصناعة المصرفية، قد تحولوا إلى العملة المشفرة في عام 2023، وأضاف أنه في ظل هذه الخلفية المؤلمة، تزداد نظرية النقود غير السيادية قوة وتجتذب نطاق أوسع من أي وقت مضى.
وكانت قد أعلنت لجنة الأوراق المالية والعقود الآجلة في هونغ كونغ في أيار، أنه سيُسمح للمقيمين بتداول أصول معينة من العملات المشفرة على منصات تداول مسجلة بدءًا من حزيران. ويقف انفتاح هونغ كونغ على تداول العملات الرقمية، في تناقض حاد مع الصين، التي حظرت تداول العملات الرقمية بالكامل في عام 2021.
العوامل المحفزة لسوق التشفير في المستقبل
كان شهر أيار شهرًا هادئًا بشكل غير معهود بالنسبة للأصول الرقمية، ولكن هناك العديد من المحفزات المحتملة في المستقبل التي يمكن أن تحرك السوق.
وحظر البنك المركزي الأرجنتيني مزودي الدفع في البلاد من تقديم معاملات العملات المشفرة، وهو قرار قد يجبر العملاء على تفريغ مقتنياتهم من البيتكوين والإثيريوم في الأشهر المقبلة. وتزامنت شعبية العملة المشفرة في الأرجنتين مع انخفاض بنسبة 50% تقريبًا في عملة البيزو الأرجنتيني، مقارنة بالدولار الأميركي في العام الماضي.
كما أعلنت شركة “Tether” التي تصدر عملة مستقرة “USDT” شهيرة، أنها ستستثمر 15% من صافي أرباحها في البيتكوين. واستنادًا إلى البيانات الفصلية الأخيرة، فإن 15% من صافي أرباح الشركة سيترجم إلى حوالي 222 مليون دولار في حجم الشراء، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار البيتكوين.
ومع ذلك، فإن أكبر محفز محتمل لأسعار العملات المشفرة خلال الفترة القادمة، هو السياسة النقدية الفيدرالية المألوفة. وكان البنك الاحتياطي الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة بقوة منذ آذار 2022، في محاولة لخفض التضخم، وقد أثر ارتفاع الأسعار على أسعار العملات المشفرة وغيرها من الأصول الخطرة.
يسعر سوق السندات احتمال 74% أن يقوم البنك الاحتياطي الفيدرالي أخيرًا، بإيقاف رفع أسعار الفائدة في حزيران، لكن تقرير الوظائف الساخن في أيار أو قراءة التضخم، قد يضع رفع سعر الفائدة في حزيران على الطاولة.
في ظل مناخ الاقتصاد الكلي الحالي، يقول المحلل في “بنك أوف أميركا” ألكش شاه، إنه قد يكون هناك اتجاه صعودي محدود على المدى القريب لأسعار العملات المشفرة. ويشير إلى أنّ “القناعة المنخفضة والمحفزات المحدودة والأداء المتفوق (منذ بداية العام)، تجعل قطاع الأصول الرقمية عالقة في نطاق تداول مع خلفية ماكرو صعبة، ولكنها من المحتمل أن تؤدي إلى ارتفاع الأصول الرقمية”.