نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالًا لـ الكاتب والمعلق السياسي جدعون رتشمان، تناول فيه التحديات التي تواجه النظام الدولي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وأزمات الطاقة والمخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والديون. وطرح رتشمان قراءة نقدية لأداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، معتبرًا أن العالم يحتاج إلى قادة يمتلكون رؤية استراتيجية واسعة، بينما لا يعكس أداء الزعيمين، من وجهة نظره، هذا النوع من القيادة.

ويربط الكاتب بين التنافس الأمريكي الصيني والملفات الدولية الكبرى، من التجارة والطاقة إلى الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط وتايوان، محذرًا من أن غياب الثقة بين واشنطن وبكين يحد من فرص التعاون في مواجهة تحديات تتجاوز حدود الدول.

العالم أمام لحظة حرجة.. أزمات متعددة تتقاطع في وقت واحد

العالم أمام لحظة حرجة.. أزمات متعددة تتقاطع في وقت واحد
العالم أمام لحظة حرجة.. أزمات متعددة تتقاطع في وقت واحد

يبدأ رتشمان تحليله بالإشارة إلى حالة القلق التي تسود عددا من العواصم الغربية، على خلفية المخاطر المرتبطة بالحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، إلى جانب التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وأزمة الطاقة واحتمال تفاقم أزمات الديون.

ويستشهد الكاتب بتصريحات السياسي الفرنسي غويليوم لاكرو، الذي تحدث عن شعوره بقلق بالغ إزاء خطورة الأوضاع الدولية، في إشارة إلى تصاعد المخاطر الأمنية والسياسية التي تواجهها الدول الأوروبية.

وبحسب المقال، فإن هذه الأزمات المتزامنة تفرض الحاجة إلى قيادة دولية قادرة على التعامل مع الملفات المختلفة ضمن رؤية مترابطة، بدلًا من الاكتفاء بإدارة الأزمات كل واحدة على حدة.

اجتماع ترامب وشي.. فرص محدودة أمام ملفات واسعة

اجتماع ترامب وشي.. فرص محدودة أمام ملفات واسعة
اجتماع ترامب وشي.. فرص محدودة أمام ملفات واسعة

يرى رتشمان أن اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، إذا عُقد في وقت لاحق من الأسبوع الذي يتناوله المقال، يمكن أن يشكل فرصة لمناقشة مجموعة من الملفات ذات التأثير العالمي.

وتشمل هذه الملفات الحروب، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والتجارة، وتايوان، إلى جانب قضايا مرتبطة بالعلاقات الثنائية بين واشنطن وبكين.

لكن الكاتب يشكك في إمكانية إحراز تقدم حقيقي في القضايا الكبرى، مستندا إلى عمق الخلافات بين البلدين، وإلى ما يصفه بمحدودية قدرات الزعيمين على تجاوز التنافس الاستراتيجي الذي يحكم علاقاتهما.

الحرب التجارية بين واشنطن وبكين تعمّق انعدام الثقة

الحرب التجارية بين واشنطن وبكين تعمّق انعدام الثقة
الحرب التجارية بين واشنطن وبكين تعمّق انعدام الثقة

يضع رتشمان الصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين في مقدمة الأسباب التي تعرقل تطوير التعاون بين القوتين الاقتصاديتين.

ويشير المقال إلى رد الصين على الرسوم الجمركية التي أعلنها ترامب في الثاني من أبريل/نيسان 2025، موضحًا أن واشنطن قللت في البداية من أهمية الإجراءات الصينية. وينقل عن وزير الخزانة الأمريكي آنذاك، سكوت بيسنت، وصفه للموقف الصيني باستخدام استعارة مرتبطة بلعبة البوكر، في إشارة إلى اعتقاده بأن بكين لا تمتلك أوراقًا قوية في المواجهة التجارية.

غير أن القيود التي فرضتها الصين على صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، بحسب الكاتب، أظهرت قدرة بكين على التأثير في سلاسل الإمداد والصناعات الأمريكية الرئيسية، الأمر الذي أدى إلى ضغوط على خطوط الإنتاج خلال فترة قصيرة.

الهدنة التجارية لا تنهي الخلافات

الهدنة التجارية لا تنهي الخلافات
الهدنة التجارية لا تنهي الخلافات

يتناول المقال الهدنة التجارية التي وقعتها الولايات المتحدة والصين في كوريا الجنوبية خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025، والتي يشير إلى احتمال تجديدها في واشنطن.

ويرى رتشمان أن تبادل الاتهامات بشأن التجارة أدى إلى زيادة الشكوك المتبادلة بين الطرفين، بحيث أصبحت كل من واشنطن وبكين أكثر حذرًا تجاه أي تعاون يمكن أن يُستخدم ضد مصالحها مستقبلًا.

ويخلص إلى أن استمرار التنافس التجاري لا يقتصر على الرسوم الجمركية أو تدفقات السلع، بل يمتد إلى الثقة السياسية والاستراتيجية الضرورية لمعالجة الملفات الدولية المشتركة.

الذكاء الاصطناعي.. تنافس تقني يحد من فرص التعاون

الذكاء الاصطناعي.. تنافس تقني يحد من فرص التعاون
الذكاء الاصطناعي.. تنافس تقني يحد من فرص التعاون

يعتبر رتشمان أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد المجالات التي تكشف التناقض بين الحاجة إلى التعاون الدولي وواقع المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.

ففي الوقت الذي تدعو فيه شركات أمريكية كبرى في قطاع الذكاء الاصطناعي إلى نهج مشترك لتنظيم هذه التكنولوجيا، يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة تتفوق على الصين في هذا المجال، وأن الحفاظ على هذا التفوق يمثل هدفا استراتيجيا بالنسبة إلى واشنطن.

وينقل المقال عن بيسنت أن البلدين اتفقا على إجراء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي، لكنه يشير إلى أن نطاق هذا الحوار قد يظل محدودًا بفعل التنافس العميق بين الطرفين.

مخاوف الصين من الهيمنة الأمريكية على التكنولوجيا

مخاوف الصين من الهيمنة الأمريكية على التكنولوجيا
مخاوف الصين من الهيمنة الأمريكية على التكنولوجيا

في المقابل، يرى الكاتب أن الصين تتعامل بشكوك مع الدعوات الأمريكية إلى اعتماد نهج مشترك في تنظيم الذكاء الاصطناعي، إذ قد تعتبرها محاولة لتثبيت التفوق الأمريكي في قطاع تقني محوري.

ويشير المقال إلى أن بعض المقالات المنشورة في وسائل الإعلام الصينية الرسمية ركزت على المخاطر التي قد يشكلها الذكاء الاصطناعي على استقرار النظام السياسي الصيني، بدلًا من حصر النقاش في المخاطر التي تواجه البشرية بصورة عامة.

ويعكس هذا التباين، وفق تحليل رتشمان، اختلاف الأولويات بين البلدين، حيث تلتقي المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع الحسابات الأمنية والسياسية الداخلية.

الطاقة والمناخ.. تنافس استراتيجي يتجاوز النفط والغاز

الطاقة والمناخ.. تنافس استراتيجي يتجاوز النفط والغاز
الطاقة والمناخ.. تنافس استراتيجي يتجاوز النفط والغاز

يربط رتشمان بين سياسة ترامب في مجال الطاقة ورؤيته للعلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ويشير إلى أن الرئيس الأمريكي أعطى الأولوية لتوسيع نموذج يعتمد على النفط والغاز، ضمن مسعى لتحقيق ما يصفه بـ«الهيمنة الأمريكية على الطاقة».

كما يتناول انسحاب ترامب من اتفاقية باريس للمناخ، وانتقاده للاتفاقيات المناخية الدولية، معتبرًا أن هذه السياسة قد أتاحت للصين مجالًا لتعزيز موقعها في الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، بما فيها البطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية.

ولا يغفل المقال أن الولايات المتحدة والصين تواجهان مصالح مشتركة مرتبطة بأمن إمدادات الطاقة، خصوصًا مع تأثير الحروب في الشرق الأوسط على أسواق النفط والغاز وسلاسل النقل العالمية.

هل يمكن لبكين أن تؤدي دورًا في أزمات الشرق الأوسط؟

هل يمكن لبكين أن تؤدي دورًا في أزمات الشرق الأوسط؟
هل يمكن لبكين أن تؤدي دورًا في أزمات الشرق الأوسط؟

يشير رتشمان إلى أن الصين سبق أن شاركت في جهود دبلوماسية مرتبطة بالشرق الأوسط، كما أنها مستورد رئيسي للنفط من المنطقة.

لكن الكاتب يستبعد إمكانية أن تؤدي بكين دورا حاسما في إنهاء الصراع الذي اندلع في الخليج، معتبرًا أن الحسابات السياسية والاستراتيجية للصين لا توفر حافزًا واضحًا للتدخل بالطريقة التي قد تتوقعها واشنطن.

ويكشف هذا التقييم، بحسب المقال، عن حدود قدرة القوتين العظميين على تنسيق مواقفهما بشأن الأزمات الإقليمية، حتى عندما تتأثر مصالحهما الاقتصادية وأمن الطاقة بالتطورات نفسها.

الحرب في أوكرانيا.. حدود التعاون الأمريكي الصيني

الحرب في أوكرانيا.. حدود التعاون الأمريكي الصيني
الحرب في أوكرانيا.. حدود التعاون الأمريكي الصيني

يناقش المقال كذلك العلاقة بين الولايات المتحدة والصين في سياق الحرب الأوكرانية، ويعتبر أن نطاق التعاون بين الطرفين لا يزال محدودًا.

ويشير رتشمان إلى الدور الذي تؤديه الصين في دعم الاقتصاد الروسي واستمراره، معتبرا أن هذا العامل يعقد إمكانية التوصل إلى تفاهمات واسعة بين واشنطن وبكين بشأن الحرب.

ومن وجهة نظر الكاتب، فإن التباين بين البلدين لا يقتصر على المواقف الدبلوماسية، بل يرتبط أيضًا بمصالح اقتصادية وأمنية واستراتيجية متعارضة، تجعل التعاون في ملف الحرب الأوكرانية أكثر صعوبة.

تايوان.. خطر التصعيد في قلب التنافس بين واشنطن وبكين

تايوان.. خطر التصعيد في قلب التنافس بين واشنطن وبكين
تايوان.. خطر التصعيد في قلب التنافس بين واشنطن وبكين

يطرح رتشمان احتمال أن يتحول التنافس الأمريكي الصيني حول تايوان إلى مصدر تصعيد كبير، مشيرا إلى مخاوف من أن تقدم الصين على غزو الجزيرة أو فرض حصار عليها.

ويربط الكاتب هذه المخاطر بالمواقف الأمريكية تجاه الدفاع عن تايوان، موضحا أن ترامب قلل، مقارنة بالرئيس السابق جو بايدن، من شأن فكرة دخول الولايات المتحدة حربًا للدفاع عن الجزيرة.

ويعتبر أن الغموض بشأن طبيعة الرد الأمريكي قد يؤثر في الحسابات الصينية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن القيادة الصينية تدرك الصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة وروسيا في حروبهما ضد دول أضعف.

بين الضغط السياسي والتحرك العسكري

بين الضغط السياسي والتحرك العسكري
بين الضغط السياسي والتحرك العسكري

لا يحصر المقال الخيارات الصينية في العمل العسكري، إذ يطرح احتمال أن يركز شي جين بينغ على زيادة الضغط السياسي على تايوان، بدلًا من اتخاذ قرار مباشر بشن عملية عسكرية واسعة.

وتبقى قضية تايوان واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الأمريكية الصينية، نظرًا إلى ارتباطها بالأمن الإقليمي في شرق آسيا، والتوازنات العسكرية، والتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد التكنولوجية.

ترامب وشي.. تشابه في الأسلوب واختلاف في المصالح

في ختام مقاله، يركز رتشمان على ما يعتبره أوجه تشابه في أسلوب القيادة بين ترامب وشي جين بينغ، مشيرًا إلى اهتمامهما بالمظاهر الاحتفالية والبذخ السياسي.

ويقارن الكاتب بين اللقاء المحتمل للزعيمين والقمة التي جمعت الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بالزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في ريكيافيك عام 1986، والتي تناولت قضايا نووية شديدة الحساسية، وارتبطت لاحقًا بالجهود التي ساهمت في إنهاء الحرب الباردة.

ويرى رتشمان أن الظروف الحالية لا توحي بتكرار ذلك النوع من القمم ذات الأهداف الاستراتيجية الكبرى، بسبب استمرار المنافسة الأمريكية الصينية وغياب الثقة المتبادلة.

ويخلص الكاتب إلى أن ترامب وشي يمثلان دولتين متنافستين، وأنهما يشتركان، بحسب تقييمه النقدي، في صفات مثل النرجسية والقومية وضيق الأفق، بينما يحتاج العالم إلى قادة قادرين على تقديم رؤية بعيدة المدى للتعامل مع أزماته المتزايدة.

يعكس مقال جدعون رتشمان في «فايننشال تايمز» قراءة نقدية لأداء القيادتين الأمريكية والصينية في مرحلة تتشابك فيها الأزمات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية. وبينما يظل التعاون بين واشنطن وبكين ضروريًا في ملفات مثل المناخ والذكاء الاصطناعي والطاقة، فإن التنافس الاستراتيجي وانعدام الثقة يفرضان قيودًا على إمكانية تحقيق تفاهمات واسعة.

وتبرز تايوان والحرب في أوكرانيا وأمن الطاقة بوصفها ملفات ذات تأثير مباشر على مستقبل النظام الدولي، في وقت يثير فيه أسلوب إدارة الأزمات من جانب القوى الكبرى أسئلة حول قدرة القيادة العالمية على منع التصعيد والتعامل مع التحديات المشتركة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com