تحذير ألماني: خوارزميات الإنترنت تدفع الشباب نحو التطرف
حذرت هيئة حماية الدستور الألمانية، المعروفة بالاستخبارات الداخلية، من دور خوارزميات بعض منصات الإنترنت في دفع الشباب نحو التطرف، مشيرة إلى تداخل عوامل نفسية واجتماعية مع آليات التوصية الرقمية التي قد تقود المستخدمين تدريجياً إلى محتويات أكثر تشدداً.
أظهر تحليل أجرته هيئة حماية الدستور الألمانية أن التحول نحو التطرف عبر الإنترنت لا يرتبط بعامل واحد، بل ينتج عن تفاعل ظروف شخصية واجتماعية مع طريقة عمل منصات رقمية تعتمد على خوارزميات تسعى إلى جذب المستخدمين والحفاظ على تفاعلهم.
وأشار التحليل إلى أن خوارزميات الإنترنت والتطرف يمكن أن يرتبطا بمسار يبدأ من محتويات تبدو غير مثيرة للقلق، قبل انتقال المستخدم تدريجياً إلى مواد أكثر حدة وتأثيراً في ظل تكرار ظهورها أمامه.
بحسب الهيئة الألمانية، يمكن للعزلة الاجتماعية والمشكلات الموجودة في المحيط الشخصي أن توفر بيئة مناسبة لبدء مسار التحول الفكري، ولا سيما عندما تترافق هذه الظروف أحياناً مع مشكلات نفسية.
وترى الاستخبارات الداخلية الألمانية أن هذه العوامل لا تعمل بمعزل عن البيئة الرقمية، إذ يمكن لطبيعة المحتوى الذي يتعرض له المستخدم وطريقة تقديمه أن تؤثر في اتجاه اهتماماته بمرور الوقت.
ويشير ذلك إلى أن معالجة ظاهرة التطرف الإلكتروني تتطلب النظر أيضاً إلى الظروف التي يمر بها المستخدم خارج شبكة الإنترنت، وليس التركيز على المحتوى الرقمي وحده.
من المحتوى العادي إلى “غرفة الصدى”
من المحتوى العادي إلى “غرفة الصدى”
يوضح التحليل الألماني أن المستخدم قد يبدأ بمشاهدة أو قراءة محتويات توصف بأنها “شبه سياسية” ولا تتسم في البداية بدرجة عالية من الجدل.
ومع استمرار استخدام المنصة، يمكن أن تقوده آليات التوصية إلى مواد أكثر إثارة للمشاعر، وصولاً إلى ما يعرف بـ”غرفة الصدى“، وهي بيئة يتعرض فيها الشخص بصورة متكررة لآراء وأفكار متشابهة.
وتؤدي هذه البيئة إلى تضييق نطاق وجهات النظر التي يواجهها المستخدم، بحيث تصبح الرسائل المتطرفة حاضرة بصورة متكررة ضمن المحتوى الذي يصل إليه.
تكرار الأفكار يساهم في تطبيعها
تكرار الأفكار يساهم في تطبيعها
لفتت هيئة حماية الدستور الألمانية إلى أن التكرار المستمر للأفكار، إلى جانب تأييدها من مستخدمينآخرين، قد يجعلها تبدو أكثر اعتيادية بالنسبة إلى الشخص الذي يتعرض لها بصورة متواصلة.
ولا يشترط هذا المسار انتماء الفرد إلى تيار أيديولوجي محدد، إذ أوضح التحليل أن بعض الأشخاص قد يستمدون أفكارهم من اتجاهات مختلفة تجمع بينها مواقف معادية للديمقراطية.
وبذلك يمكن أن يتشكل لدى المستخدم خليط من الأفكار المتشددة بدلاً من تبنيه منظومة فكرية واحدة بصورة واضحة.
منصات الألعاب ووسائل التواصل ضمن دائرة الخطر
منصات الألعاب ووسائل التواصل ضمن دائرة الخطر
بحسب التحليل، لا يقتصر انتشار الدعاية والمحتوى المرتبط بالعنف على شبكات التواصل الاجتماعي التقليدية.
وتشمل القنوات التي يمكن استخدامها للتواصل ونشر المواد الدعائية مقاطع الفيديو، ومنصات الألعاب، ومنتديات الصور، إضافة إلى خدمات التراسل.
كما أشارت الهيئة إلى أن أصحاب التوجهات المتطرفة المختلفة يختارون أحياناً منصات بعينها للتواصل، ما يسمح بتشكيل مجتمعات رقمية مغلقة أو شبه مغلقة تسهّل تداول الرسائل والأفكار بين أعضائها.
خوارزميات التوصية تحت المجهر
خوارزميات التوصية تحت المجهر
تضع نتائج التحليل الألماني آليات عمل منصات الإنترنت أمام تدقيق أكبر، خصوصاً فيما يتعلق بالمحتويات التي تحصل على معدلات مرتفعة من التفاعل.
وترى الهيئة أن بعض الخوارزميات الغامضة لدى مشغلي المنصات تلعب دوراً بارزاً، لأنها تميل بصورة متزايدة إلى إبراز المواد المثيرة للجدل وعالية التفاعل.
وتكمن المشكلة، وفق هذا التصور، في أن المحتوى الأكثر إثارة قد يحظى بفرص أكبر للظهور، حتى عندما يؤدي تكرار عرضه إلى نقل المستخدم من موضوعات عامة إلى مواد ذات مضمون أكثر تطرفاً.
ويفتح التحليل الألماني النقاش حول مسؤولية شركات التكنولوجيا في تصميم أنظمة التوصية، ومدى قدرتها على الحد من المسارات الرقمية التي قد تستغل نقاط ضعف المستخدمين أو تدفعهم نحو مجتمعات متشددة.
وتأتي هذه الخلاصة في وقت أصبحت فيه منصات التواصل والألعاب وخدمات التراسل جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للشباب، ما يجعل فهم آليات التأثير الرقمي عاملاً مهماً في مواجهة التطرف والحد من انتشاره عبر الإنترنت.