بعد ستة أشهر من الحرب: ماذا تريد إيران فعلياً مقابل فتح هرمز؟

كتب باسم الموسوي

بعد ستة أشهر من الحرب، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري متنازع عليه، ولا مجرد ورقة ضغط عسكرية تستخدمها إيران لإرباك أسواق الطاقة. لقد تحول إلى جوهر التسوية الممكنة نفسها. ما تريده طهران مقابل فتح المضيق بصورة طبيعية ليس إجراءً بحرياً واحداً، بل حزمة سياسية واقتصادية وأمنية تعيد تعريف نهاية الحرب وموقع إيران بعدها.

وهذه هي النقطة التي تضيع أحياناً وسط الحديث الأميركي عن «إعادة فتح هرمز». واشنطن تتعامل مع المضيق كما لو أن المشكلة تكمن في حرية الملاحة وحدها: إزالة الألغام، تأمين الناقلات، استعادة حركة السفن، ثم العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب. أما طهران فتنظر إليه بطريقة معاكسة تقريباً: لن تعود الملاحة إلى طبيعتها قبل أن يتغير السياق السياسي والعسكري الذي أدى إلى إغلاقها أصلاً.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: متى تفتح إيران هرمز؟

بل: ما الثمن السياسي الذي تطلبه مقابل التخلي عن أقوى أداة ضغط بقيت في يدها؟

خلال الأيام الأخيرة بدأت الإجابة تتضح.

قال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن طهران تعمل على صياغة شروط رسمية لإعادة فتح المضيق استجابة لطلبات الوسطاء. وأوضح أن إنهاء الحرب الإقليمية يأتي في مقدمة هذه الشروط، إلى جانب رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وإزالة العقوبات، والحصول على تعويضات. كما أكد وجود تفاهم مع سلطنة عمان على إنشاء ممر ملاحي يمر في المياه الإيرانية والعمانية، على أن يصبح تشغيله مرتبطاً بالتزام الولايات المتحدة بالشروط الإيرانية.

إذن نحن أمام أربعة مستويات مترابطة: إنهاء الحرب، رفع الحصار، رفع العقوبات، وإعادة تنظيم إدارة هرمز.

لكن لفهم ما تطلبه طهران فعلياً لا بد من العودة إلى وثيقة 17 حزيران، لأن ما يجري الآن يبدو، إلى حد بعيد، محاولة إيرانية لإعادة إحياء جوهر ذلك الاتفاق.

أميركا إيران!
أميركا إيران!

مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران في حزيران كانت أكثر بكثير من وقف إطلاق نار. نصت على إنهاء العمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان، وعلى احترام سيادة الطرفين، وعلى بدء مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً. وفي المقابل، كان على الولايات المتحدة البدء فوراً برفع الحصار البحري وإنهائه بالكامل خلال ثلاثين يوماً.

أما إيران، فكانت ملتزمة بالسماح بالمرور الآمن للسفن التجارية لمدة ستين يوماً، من دون رسوم، بالتوازي مع إزالة العوائق والألغام.

وهنا توجد تفصيلة شديدة الأهمية.

الاتفاق لم يكن يفترض العودة تلقائياً إلى النظام البحري السابق بعد انتهاء الستين يوماً. بل نص على أن تدخل إيران في حوار مع سلطنة عمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى، وبما يأخذ في الاعتبار الحقوق السيادية للدول المطلة على المضيق.

وهذه العبارة تكشف جوهر الموقف الإيراني الحالي.

طهران لا تريد فقط ضمان ألا تُقصف بعد فتح المضيق. إنها تريد تحويل ما أثبتته عسكرياً خلال الحرب — قدرتها على تعطيل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي — إلى اعتراف سياسي بدورها في إدارة هذا الشريان.

هذه نقلة كبيرة.

قبل الحرب، كان التصور الأميركي السائد يقوم على أن هرمز ممر دولي ينبغي أن يبقى مفتوحاً تحت مظلة التفوق البحري الأميركي، وأن إيران دولة ساحلية لا يحق لها تحويل موقعها الجغرافي إلى حق سياسي في إدارة المرور.

أما التصور الإيراني الناشئ فيقول عملياً: لقد أثبتت الحرب أن الملاحة لا تستطيع أن تستمر بصورة طبيعية من دون تفاهم معنا؛ لذلك يجب أن يتحول هذا الواقع إلى ترتيب رسمي.

ولهذا يجري التفاوض مع عمان.

المقترح المتداول ينص على أن تمر السفن التجارية الداخلة إلى الخليج عبر المياه الإيرانية، بينما تستخدم السفن الخارجة المياه الإيرانية والعمانية، مع البحث لاحقاً في نظام دائم لإدارة الحركة. والأكثر حساسية أن إيران طرحت منع السفن العسكرية من المرور في إطار هذا الترتيب.

هنا ندخل إلى أصل الخلاف مع الولايات المتحدة.

واشنطن يمكنها قبول إجراءات تقنية لتسهيل الملاحة، لكنها ستجد صعوبة شديدة في قبول نظام يمنح إيران حقاً سياسياً فعلياً في تحديد طبيعة السفن المارة، وخصوصاً السفن العسكرية الأميركية.

فهذا سيعني أن حرباً بدأت جزئياً لكسر قدرة إيران على تهديد هرمز قد تنتهي بترتيب يمنح طهران دوراً أكبر في تنظيم المضيق مما كانت تملكه قبل الحرب.

ولهذا ليست مسألة «فتح هرمز» بسيطة كما تبدو.

هناك أيضاً البعد الاقتصادي.

مذكرة حزيران كانت تربط فتح المضيق بصورة مباشرة بتخفيف الضغط الاقتصادي على إيران. الولايات المتحدة تعهدت بإصدار إعفاءات فورية تسمح بتصدير النفط الإيراني والمنتجات البترولية، بما يشمل الخدمات المصرفية والتأمين والنقل. كما تعهدت بإتاحة الأموال الإيرانية المجمدة، وبالانتقال لاحقاً إلى رفع جميع العقوبات وفق جدول متفق عليه.

بل إن الاتفاق تحدث عن خطة لإعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار في حال الوصول إلى اتفاق نهائي.

وهذا يفسر لماذا لا تستطيع طهران، من وجهة نظرها، فصل النفط عن المضيق.

ما المنطق في أن تسمح إيران لناقلات النفط الخليجية بالمرور بصورة طبيعية بينما يبقى نفطها هي محاصراً؟

ذلك هو جوهر الحجة الإيرانية.

فمن منظور طهران، حرية الملاحة التي تطالب بها واشنطن لا يمكن أن تعني حرية مرور نفط السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، بالتزامن مع منع النفط الإيراني من الوصول إلى الأسواق.

ولهذا تحولت هرمز إلى أداة لفرض ما يمكن تسميته بالمعاملة المتبادلة للطاقة: لا يمكن للنظام الإقليمي أن ينتفع من الممر بينما تُستبعد إيران اقتصادياً منه.

هذه المسألة أصبحت أكثر إلحاحاً لأن الاقتصاد الإيراني يتعرض لضغط بالغ. الرئيس مسعود بزشكيان أقر بأن التجارة الخارجية الإيرانية انخفضت بنحو 35 في المئة، فيما ارتفع التضخم إلى مستويات تقارب 66 في المئة وفق التقارير الأخيرة. ومع ذلك دعا إلى إعادة إحياء تفاهم حزيران بدلاً من قبول تسوية جديدة من نقطة الصفر.

وهذا مهم.

إيران لا تقول للولايات المتحدة: قدموا لنا أي اتفاق ننقذ به اقتصادنا.

بل تقول عملياً: عودوا إلى الاتفاق الذي وقعناه بالفعل.

وهنا يتضح ما تريد طهران أكثر.

أولاً، تريد وقفاً للحرب لا مجرد هدنة بحرية.

ففتح المضيق بينما تستمر الضربات الجوية أو التهديد بها سيعني التخلي عن أهم ورقة ردع في يدها من دون مقابل استراتيجي. لذلك يصر المسؤولون الإيرانيون على ربط إعادة الملاحة الطبيعية بإنهاء العمليات العسكرية الإقليمية، لا بتسوية تقنية خاصة بالمضيق وحده.

ثانياً، تريد رفع الحصار البحري الأميركي.

فالولايات المتحدة لا تحاول فقط فتح هرمز للسفن القادمة من دول الخليج؛ إنها تفرض في المقابل قيوداً قاسية على الموانئ الإيرانية نفسها. وبالتالي تعتبر طهران أن الوضع الحالي ليس «إغلاقاً إيرانياً لهرمز» فحسب، بل حرب حصارين: إيران تضغط على الممر، وأميركا تضغط على الموانئ.

أي اتفاق يعالج الأول ويُبقي الثاني سيكون، بالنسبة إليها، استسلاماً أحادي الجانب.

ثالثاً، تريد إعادة تصدير النفط بصورة شرعية.

وهذه ربما العقدة الاقتصادية الرئيسية. إيران تستطيع تهريب جزء من نفطها أو بيعه عبر شبكات معقدة، وخصوصاً للصين، لكن الكلفة مرتفعة، والتخفيضات كبيرة، والنقل والتأمين والمصارف عرضة للعقوبات.

لذلك لا تطلب طهران مجرد «السماح لناقلاتنا بالخروج». إنها تريد إعادة النفط إلى النظام التجاري والمالي الطبيعي، بما يشمل التأمين والمدفوعات والمصارف.

رابعاً، تريد تحرير الأموال المجمدة.

فالنفط لا يفيد كثيراً عندما تصبح عائداته محتجزة في حسابات لا تستطيع الدولة استخدامها. ولهذا كان تحرير الأصول أحد عناصر تفاهم حزيران الأساسية.

خامساً، تطالب بتعويضات.

هذه المسألة لا تزال أقل وضوحاً من غيرها، ولم تُحدَّد أرقام أو آليات علنية. لكنها أصبحت جزءاً من الخطاب التفاوضي الإيراني. وهذا يعني أن طهران لا تريد فقط العودة إلى ما قبل 28 شباط؛ إنها تريد تحميل الطرف الآخر جزءاً من كلفة الحرب.

قد يكون هذا المطلب تفاوضياً أكثر منه قابلاً للتحقق بالكامل، لكنه يكشف الطريقة التي تريد إيران أن تروي بها نهاية الحرب: ليست دولة تطلب تخفيف العقوبات بعد أن أُنهكت، بل دولة تعتبر نفسها متضررة وتطالب بتعويض.

سادساً، وربما الأهم استراتيجياً، تريد اعترافاً بدورها في هرمز.

فهذا ما يحول نتيجة الحرب من مجرد بقاء النظام إلى مكسب سياسي دائم.

إيران تعرف أن قدرتها على إغلاق المضيق بصورة كاملة إلى ما لا نهاية محدودة. فهي تتضرر هي أيضاً من إغلاقه، كما تتضرر الصين والدول الخليجية، وقد تستطيع الولايات المتحدة مع الوقت تطوير طرق حماية ومرافقة للملاحة تقلل من فعالية الحصار الإيراني.

لكن طهران لا تحتاج إلى الاحتفاظ بالإغلاق إلى الأبد.

يكفي أن تثبت أن العودة إلى الملاحة الطبيعية مستحيلة من دون موافقتها.

وهذا ما تحاول الآن تحويله إلى قاعدة تفاوضية.

الأرقام نفسها تؤكد أن المعركة لم تُحسم. حركة السفن ارتفعت عن أدنى مستوياتها، لكنها لا تزال بعيدة عن العودة المستقرة إلى ما قبل الحرب. ففي 28 آب عبرت سبع سفن سلعية فقط، مقارنة بمتوسط عشرة أيام بلغ نحو 15 سفينة يومياً، مع تفاوت حاد من يوم إلى آخر.

ولهذا توجد الآن روايتان متعارضتان.

ترامب يقول إن الولايات المتحدة استعادت اليد العليا وإن المضيق مفتوح. طهران تقول إنها ما زالت صاحبة السيطرة وإن حركة الملاحة الحالية تحصل ضمن ميزان ردع لم تستطع واشنطن كسره. الواقع يقع في مكان بين الروايتين: البحرية الأميركية استعادت جزءاً من قدرة الحركة، لكنها لم تستطع حتى الآن إعادة الحالة الطبيعية التي كانت قائمة قبل الحرب، وإيران لم تعد قادرة على فرض إغلاق كامل ومستمر.

وهذا تحديداً ما يجعل التسوية ممكنة.

كل طرف حقق ما يكفي لمنع الآخر من إعلان انتصار كامل، لكنه لم يحقق ما يكفي لفرض شروطه منفرداً.

الولايات المتحدة ألحقت أضراراً ضخمة بإيران وضغطت اقتصادها وقلصت قدرة طهران على التحكم المطلق بالمضيق.

وإيران، في المقابل، لم تستسلم، ولم تُسقط قدرتها على الرد، واستطاعت جعل هرمز مشكلة عالمية وفرض كلفة اقتصادية وعسكرية عالية على الولايات المتحدة وحلفائها.

لذلك فالمرحلة المقبلة ليست، على الأرجح، معركة على من يستطيع إغلاق هرمز أكثر.

إنها معركة على من يكتب قواعد فتحه.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى للحرب بعد ستة أشهر.

واشنطن دخلت المواجهة وهي تريد تقليص قدرة إيران على فرض شروطها الإقليمية. وطهران تحاول الآن أن تجعل إنهاء المواجهة مشروطاً باعتراف أميركي رسمي أو عملي بجملة من الأمور التي كانت واشنطن ترفضها قبل الحرب: رفع الحصار، تخفيف أو إنهاء العقوبات، استعادة صادرات النفط، تحرير الأموال، ضمان عدم تجدد الحرب، والأهم، تثبيت دور إيراني في النظام المستقبلي لهرمز.

لهذا لا تطلب إيران «ثمناً مقابل فتح المضيق» بالمعنى الضيق.

إنها تحاول تحويل هرمز إلى صك تسوية للحرب كلها.

والسؤال الذي سيحدد الشهور المقبلة ليس ما إذا كانت السفن ستعود إلى المرور؛ فالمرجح أنها ستعود في نهاية المطاف.

السؤال هو: هل ستعود لأن الولايات المتحدة استطاعت كسر القدرة الإيرانية على تعطيلها، أم لأنها قبلت بتسوية تعترف بأن المرور الطبيعي في هرمز أصبح مرتبطاً، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، بموافقة إيران؟

ذلك هو الفارق بين مجرد إعادة فتح ممر بحري وبين إعادة رسم ميزان القوة في الخليج.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com