قلق متصاعد داخل إسرائيل.. ماذا يحدث في الضفة الغربية؟
يتزايد قلق متصاعد داخل إسرائيل من تطورات الضفة الغربية، مع ارتفاع اعتداءات المستوطنين وتحذيرات المؤسسة الأمنية من تحول التوتر إلى موجة عنف أوسع، وسط مخاوف من تراجع التنسيق الأمني وتشتت قوات الجيش وفتح جبهة إضافية أمام إسرائيل.
تصاعد اعتداءات المستوطنين يرفع مستوى المخاوف الإسرائيلية
تصاعد اعتداءات المستوطنين يرفع مستوى المخاوف الإسرائيلية
رصدت وسائل إعلام إسرائيلية تزايد المخاوف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً واعتداءات متكررة على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وتخشى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن يؤدي تصاعد عنف المستوطنين إلى تحويل التوتر المحدود إلى موجة عنف أوسع يصعب احتواؤها، فضلاً عن إضعاف قدرة السلطة الفلسطينية على ضبط الوضع أو تراجع مستوى التنسيق الأمني، بما يزيد صعوبة السيطرة على الأوضاع وفتح جبهة أمنية إضافية أمام إسرائيل في وقت تواجه فيه ضغوطاً على ساحات أخرى.
الجيش الإسرائيلي يحذر من شرارة تشعل تصعيداً واسعاً
الجيش الإسرائيلي يحذر من شرارة تشعل تصعيداً واسعاً
وبحسب ما أوردته “تايمز أوف إسرائيل“، حذّر قائد القيادة المركزية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، اللواء آفي بلوت، خلال تقييم أمني مغلق، من أن “الجريمة القومية” للمستوطنين قد تكون الشرارة التي تشعل تصعيداً واسعاً في الضفة الغربية.
وقال بلوت إن استمرار عنف المستوطنين يمكن أن يقلب الأمور، في وقت يستنزف فيه الجيش جزءاً من اهتمامه وموارده في التعامل مع هذه الحوادث بدلاً من التركيز على التأمين.
وذكرت الصحيفة الإسرائيلية أن ذلك يتزامن مع ارتفاع حاد في اعتداءات المستوطنين، مشيرة إلى بيانات أمنية إسرائيلية سجلت 660 حادثة خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 63% عن الفترة نفسها من العام الماضي.
وتنبع المخاوف الإسرائيلية أيضاً من احتمال انتقال الاحتكاكات إلى مناطق أكثر اتساعاً وكثافة سكانية، بعدما شهدت قرى فلسطينية، بينها قصرة، مواجهات واعتداءات متكررة.
وذكرت “تايمز أوف إسرائيل” أن تصاعد عنف المستوطنين وتوسع البؤر الاستيطانية غير القانونية دفع قيادات الجيش إلى التحذير من أن الضفة الغربية باتت على حافة تصعيد عنيف، مع مخاوف من أن يدفع استمرار الاعتداءات فلسطينيين عاديين إلى الرد.
وتبرز خشية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن يؤدي اتساع المواجهات إلى تشتيت قوات الجيش وإضعاف قدرته على احتواء التوتر، خصوصاً أن أي امتداد إلى مناطق تخضع بدرجات مختلفة للسيطرة الفلسطينية والإسرائيلية سيعقد مهمة الجيش ميدانياً.
الشاباك يدخل على خط التحقيق في أحداث قصرة
الشاباك يدخل على خط التحقيق في أحداث قصرة
وفي ظل المخاوف الإسرائيلية من اتساع التصعيد في الضفة الغربية، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن انخراط جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» في التحقيق بأحداث بلدة قصرة جنوب نابلس، عقب هجوم مستوطنين على منزل فلسطيني قيد الإنشاء وإصابة فلسطينيين.
ونقلت الصحيفة عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قوله إن الجيش والشاباك والشرطة يجرون «تحقيقاً مكثفاً في الميدان»، مطالباً باعتقال المتورطين ومحاسبتهم سريعاً، في حين لم يكن قد أُعلن حتى إصدار تصريحاته عن اعتقال أي من المستوطنين المشاركين.
وأعلن الجيش وحرس الحدود مصادرة ثلاث مركبات يُشتبه في استخدامها للوصول إلى قصرة، فيما يأتي إشراك الشاباك بعد أسابيع من التوتر والاعتداءات في منطقة رأس العين بالبلدة، بالتزامن مع استمرار انتشار المستوطنين والقيود العسكرية على المنطقة.
هاكبي: عنف المستوطنين لا يمثل عموم الإسرائيليين
هاكبي: عنف المستوطنين لا يمثل عموم الإسرائيليين
وفي السياق، قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكبي إن نحو نصف مليون إسرائيلي يعيشون في الضفة الغربية “مشمئزون” من مجموعة من المشاغبين الذين قال إنهم “يوصفون خطأً بالمستوطنين“، مؤكداً وجود “إجماع في إسرائيل على إدانة العنف” في الضفة.
وكان هاكبي وصف المسؤولين عن حصار منازل فلسطينية في قصرة خلال الأسابيع الماضية بـ«الإرهابيين الإسرائيليين»، معتبراً أفعالهم سلوكاً إجرامياً لا يمكن تبريره، مع تأكيده أن منفذي الاعتداءات يمثلون أقلية صغيرة ولا يعبرون عن عموم المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.
الجيش الإسرائيلي يخشى تدهور الأوضاع إلى تصعيد واسع
الجيش الإسرائيلي يخشى تدهور الأوضاع إلى تصعيد واسع
بدوره، حذّر جيش الاحتلال الإسرائيلي من احتمال تدهور الأوضاع في الضفة الغربية إلى تصعيد واسع، وسط مخاوف داخل المؤسسة العسكرية من تداعيات هجمات المستوطنين.
ونقلت “إسرائيل هيوم” عن مصادر في الجيش أن المؤسسة العسكرية تخشى وجود أطراف في الحكومة معنية بالتصعيد لاعتبارات سياسية، مؤكدة أن الجيش لن يدعم خطوات لا تفرضها الوقائع على الأرض، فيما يحذر منذ نحو أسبوعين من «القدرة التفجيرية» للأحداث وتأثيرها على عملياته العسكرية.
وفي السياق، تحدثت «هآرتس» عن توتر بين بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان زامير بشأن «الإرهاب اليهودي» في الضفة، بالتزامن مع انتقادات حادة من قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية لعجز الجيش والشرطة عن التعامل مع اعتداءات مستوطنين على عائلة فلسطينية في جالود جنوب نابلس.
ضباط إسرائيليون: الضفة الغربية على حافة الانفجار
ضباط إسرائيليون: الضفة الغربية على حافة الانفجار
من جهتها، نقلت “يديعوت أحرونوت” عن ضباط إسرائيليين أن الضفة الغربية باتت «على حافة الانفجار»، مع تسجيل 3 إلى 4 حوادث احتكاك يومياً، واتجاه مستوطنين عمداً إلى مناطق الاحتكاك في عمق المناطق الفلسطينية.
وتحدث ضابط عن بدء الفلسطينيين تشكيل «لجان دفاع شعبية»، وسط مخاوف من انتقال ما يجري في مناطق «ج» إلى منطقتي «أ» و«ب».
ويعكس ذلك قلقاً متصاعداً داخل إسرائيل من أن تتحول الاعتداءات المتكررة إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة، بما يصعب على الجيش والأجهزة الأمنية السيطرة على المشهد.
باحث: الظروف باتت مهيأة لتصعيد فلسطيني
مستوطنون يهاجمون الفلسطينيين ويحرقون ويدمرون ممتلكاتها أمام الجيش الإسرائيلي
من جهته، قال الباحث في الشؤون الإسرائيلية نهاد أبو غوش إن الظروف المهيئة لاندلاع تصعيد فلسطيني في الضفة الغربية أصبحت ناضجة، في ظل استباحة الأراضي الفلسطينية والانتهاكات اليومية وهجمات المستوطنين.
و رجّح أبو غوش أن يؤدي ذلك إلى انفجارات فردية أو عفوية، بدلاً من انتفاضة منظمة، خصوصاً مع استمرار اعتداءات المستوطنين على القرى والبيوت الفلسطينية.
وأشار الباحث إلى أن المبادرات الفردية ولجان الحراسة والحماية الشعبية تمثل حتى الآن أدوات لمواجهة هجمات المستوطنين، لكنها متفاوتة الفاعلية، في ظل محدودية إمكانات التجمعات الفلسطينية الصغيرة والنائية.
غياب الاستراتيجية الموحدة يزيد تعقيدات المشهد
تصاعد هجمات المستوطنين واقترابها من أطراف المدن قد يؤدي إلى ردود فعل فلسطينية
وحذّر أبو غوش من أن تصاعد هجمات المستوطنين واقترابها من أطراف المدن قد يؤدي إلى ردود فعل فلسطينية، خصوصاً مع تراجع العمل الشعبي وتآكل شرعية المؤسسات الفلسطينية والانقسام السياسي، مؤكداً أن الفلسطينيين بحاجة إلى تطوير أدواتهم النضالية بدل الاستمرار في النهج والأدوات ذاتها منذ عقود.
ورأى أبو غوش أن المشكلة الأساسية تتمثل في غياب استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة، مؤكداً أن المقاومة وحدها لا تكفي، كما أن المفاوضات وحدها، من دون ظهير ودعم شعبي، لا تؤدي إلى نتيجة.
ودعا إلى الجمع بين أشكال النضال المختلفة واختيار الأنسب لكل مرحلة، مع تجديد الأدوات والقيادات والبرامج، معتبراً أن المطلوب قيادة وطنية موحدة قادرة على تحويل حالة الاستعداد والزخم النضالي الفلسطيني إلى فعل منظم يحقق نتائج ملموسة.
ماذا يعني القلق الإسرائيلي من الضفة الغربية؟
يكشف المشهد الحالي عن قلق متصاعد داخل إسرائيل من أن تتحول اعتداءات المستوطنين من أحداث متفرقة إلى عامل يشعل مواجهة أوسع في الضفة الغربية، خصوصاً مع تحذيرات الجيش والأجهزة الأمنية من انعكاساتها على الاستقرار والتنسيق الأمني وانتشار القوات.
كما أن دخول الشاباك على خط التحقيق في أحداث قصرة، والتحذيرات المتكررة الصادرة عن قيادات عسكرية، يعكسان إدراكاً داخل المؤسسة الأمنية بأن استمرار الوضع الحالي قد يفرض على الجيش التعامل مع تحديات أمنية متزامنة ومتعددة.
وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن تشكيل لجان دفاع شعبية فلسطينية واحتمال انتقال الاحتكاكات إلى مناطق جديدة يزيد من حساسية المشهد، في ظل مخاوف إسرائيلية من أن يؤدي أي حادث كبير إلى سلسلة من ردود الفعل يصعب وقفها.
وبذلك، فإن القلق المتصاعد داخل إسرائيل لا يرتبط فقط بحجم الاعتداءات الحالية، وإنما باحتمال تحولها إلى مسار أوسع يغيّر طبيعة المشهد الأمني في الضفة الغربية.