تكشف قراءة أبرز المقالات السياسية في الصحف اللبنانية والعربية الصادرة صباح اليوم عن مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتقاطع فيه ملفات سلاح حزب الله، ومستقبل العلاقة اللبنانية–السورية، ومسار الدولة اللبنانية، وصولاً إلى إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة.

وفي هذه القراءة، نتوقف عند خمسة عناوين اختيرت من خمس صحف، ليس فقط لمعرفة ما تقوله المقالات، بل لمحاولة فهم ما وراء العنوان: ما الرسالة السياسية التي يريد الكاتب إيصالها؟ وما الصورة التي يحاول رسمها للمرحلة المقبلة؟ وهل تعكس المقالات اختلافاً في الرؤية بين الصحف، أم أنها تلتقي عند تشخيص مرحلة إقليمية جديدة؟

صحيفة النهار: «لا انسحاب إسرائيلياً قبل تسليم سلاح حزب الله… وإلا الحرب؟»

تضع «النهار» ملف سلاح حزب الله في قلب المعادلة التي تربط بين مستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني وبين التزامات لبنان في الاتفاقات القائمة. وتقرأ المقالة تصريحات السفير الأمريكي ميشال عيسى باعتبارها رسالة تتجاوز مسألة التفاوض المباشر مع الحزب، لتربط أي تقدم في الملف اللبناني بتقديم الحزب شيئاً ملموساً في موضوع السلاح.

الرسالة الأبرز في المقالة هي أن واشنطن لا تبدو مستعدة لفصل ملف السلاح عن ملف الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. فالكاتب يلفت إلى أن عيسى حمّل حزب الله مسؤولية عدم التوصل إلى وقف للاعتداءات، وربط الانسحاب الإسرائيلي بما ستقدمه الدولة اللبنانية في هذا الملف. كما يبرز المقال الإيحاء بأن عدم حصول تغيير قد يقود إلى مواجهة جديدة.

وبذلك، يريد الكاتب القول إن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة تفاوض تقليدي، بل مرحلة ضغط متدرج لوضع الدولة اللبنانية أمام خيارين: تحقيق تقدم في ملف السلاح أو مواجهة تداعيات استمرار الأزمة.

واللافت أن المقال لا يقرأ كلام عيسى بمعزل عن تصريحات توم براك، بل يضع الموقفين في سياق أمريكي واحد، معتبراً أن الرسائل الأمريكية باتت أكثر وضوحاً في تحديد الشروط التي ترى واشنطن أنها ضرورية لأي تسوية لبنانية.

صحيفة الأخبار: «المقاومة اللبنانية والمسألة السورية: الثابت والمتغيّر»

تتناول «الأخبار» العلاقة بين المقاومة اللبنانية وسورية من زاوية تاريخية وسياسية، وتلفت إلى أن العلاقة مع النظام السوري السابق لم تكن تحالفاً ثابتاً أو قائماً على اعتبارات طائفية، بل كانت علاقة سياسية تحكمها المصالح وتوازنات القوة، وشهدت مراحل من التوتر وحتى الصدام.

الرسالة الأساسية هنا تبدو واضحة: لا ينبغي التعامل مع العلاقة بين المقاومة وسورية باعتبارها علاقة تاريخية جامدة انتهت بانتهاء النظام السوري السابق.

فالكاتب يحاول إعادة تعريف العلاقة من أساسها، بالقول إن ما جمع الطرفين في مراحل معينة كان مرتبطاً بالمصلحة السياسية والجغرافيا والصراع مع إسرائيل، وليس بمجرد تحالف عقائدي أو طائفي. ويستشهد المقال بمراحل تاريخية شهدت خلافات وصدامات بين دمشق وقوى المقاومة، ليؤكد أن العلاقة كانت دائماً قابلة للتغير.

ومن هنا، يريد الكاتب الوصول إلى فكرة أكثر راهنية: سورية الجديدة لا يفترض أن تُقرأ من خلال علاقتها بالنظام السابق، بل من خلال المصالح المشتركة التي يمكن أن تنشأ بينها وبين المقاومة في المرحلة المقبلة.

وهذا يعني، وفق منطق المقال، أن الجغرافيا ستفرض نفسها مجدداً؛ فوجود حدود مشتركة مع لبنان، وملف الجنوب، والصراع مع إسرائيل، كلها عوامل تجعل الفصل الكامل بين المسارين اللبناني والسوري أمراً بالغ الصعوبة.

صحيفة الديار: «العفو العام يدخل غربال بعبدا… ماذا سيُقرّر عون؟»

تنقل «الديار» ملف العفو العام من المستوى التشريعي إلى المستوى الرئاسي، بعدما أقر مجلس النواب القانون في 12 آب، فيما لم يكن رئيس الجمهورية جوزاف عون قد حسم موقفه النهائي من توقيعه أو رده. وتشير المقالة إلى أن القانون دخل مرحلة التدقيق الدستوري والسياسي، بالتوازي مع ترقب الطعون المحتملة أمام المجلس الدستوري.

المقالة لا تتعامل مع العفو العام كقانون عادي، بل تقدمه باعتباره اختباراً سياسياً ودستورياً للرئاسة اللبنانية.

فالسؤال الذي يطرحه العنوان: «ماذا سيقرر عون؟» ليس مجرد سؤال إجرائي، بل يضع رئيس الجمهورية في مركز القرار، ويشير إلى أن توقيع القانون أو رده يمكن أن تكون له انعكاسات سياسية تتجاوز النص القانوني نفسه.

كما أن الحديث عن «غربال بعبدا» يوحي بأن القانون لن يمر بصورة آلية، وأن أمام الرئاسة مساحة للتدقيق في مضمونه، خصوصاً في ظل وجود مهل دستورية وإمكانية تقديم طعون بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية.

والرسالة الأوسع التي يمكن استخلاصها من المقال هي أن العهد الجديد أمام اختبار العلاقة بين السلطة التشريعية والرئاسة، وبين الاعتبارات السياسية والمتطلبات الدستورية، وأن ملف العفو العام قد يتحول إلى محطة إضافية في إعادة رسم التوازنات داخل الدولة.

صحيفة الشرق الأوسط: «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»

تتناول «الشرق الأوسط» اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان باعتبارها تطوراً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي. ويرى الكاتب أن الدول الثلاث تتحرك في ظل حروب إقليمية وتغيرات في موازين القوى واحتمال حدوث فراغ استراتيجي في المنطقة، ما يجعل التحالف وسيلة لإعادة بناء قدر من التوازن.

الرسالة السياسية الأساسية للمقال هي أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي.

فالكاتب لا يقدم الاتفاق باعتباره موجهاً فقط ضد طرف محدد، بل يضعه في إطار أوسع يتعلق بانتهاء أو تراجع نظام إقليمي سابق، والحاجة إلى ترتيبات جديدة تستطيع الدول من خلالها حماية أمنها ومصالحها.

ويؤكد المقال أن الدول الثلاث تمتلك عناصر قوة متكاملة، وأن جمع هذه القدرات يمكن أن يجعلها لاعباً رئيسياً في مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية.

وبالتالي، فإن ما يريد الكاتب إيصاله يتجاوز الاتفاق نفسه: السعودية وتركيا وباكستان تريد أن تكون جزءاً من صناعة النظام الأمني الجديد في المنطقة، لا مجرد دول تتلقى تداعيات التحولات التي تصنعها القوى الكبرى.

وهنا تكمن أهمية المقال سياسياً، لأنه يضع اتفاقية مكة ضمن سياق إعادة توزيع النفوذ، وليس ضمن خانة التعاون الدفاعي الثنائي أو الثلاثي فقط.

صحيفة القبس الكويتية: «القانون وسرعة المجتمع»

يطرح المقال إشكالية العلاقة بين التشريع والتغيرات السريعة التي يشهدها المجتمع، حيث تتقدم التحولات الاجتماعية والسلوكية والتكنولوجية بوتيرة قد تجعل القوانين القائمة عاجزة عن مواكبتها. ومن هنا يبرز السؤال حول قدرة المشرّع على الاستجابة للتحولات دون الوقوع في التسرع أو إنتاج تشريعات لا تنسجم مع الواقع.

الرسالة السياسية الأعمق في المقال هي أن قوة الدولة لا تقاس فقط بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على إنتاج قوانين تواكب المجتمع وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار.

فالكاتب يضع التشريع أمام تحدي السرعة: المجتمع يتغير، والتكنولوجيا تغير أنماط الحياة والعلاقات، بينما تحتاج المؤسسات التشريعية إلى وقت طويل لمناقشة القوانين وإقرارها.

ومن هنا يمكن فهم المقال كدعوة إلى تحديث التفكير التشريعي، لا الاكتفاء بتعديل قوانين قديمة بعد أن يصبح الواقع قد تجاوزها.

وتحمل الفكرة بعداً سياسياً مهماً، لأن الفجوة بين المجتمع والقانون قد تؤدي إلى تراجع الثقة بالمؤسسات، بينما يمكن لتشريع أكثر مرونة وواقعية أن يحول القانون إلى أداة لإدارة التغيير بدلاً من أن يتحول إلى عائق أمامه.

تكشف هذه العناوين الخمسة عن ثلاثة مستويات مترابطة من التحولات.

المستوى الأول لبناني، وتظهر فيه معادلة سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي والعلاقة بين الرئاسة والبرلمان، بما يوحي بأن الدولة اللبنانية تواجه استحقاقات سياسية ودستورية متشابكة في المرحلة المقبلة.

أما المستوى الثاني فهو سوري–لبناني، حيث تطرح «الأخبار» سؤالاً مختلفاً حول مستقبل العلاقة بين المقاومة وسورية الجديدة، انطلاقاً من أن الجغرافيا والمصالح قد تعيد إنتاج علاقة مختلفة عن تلك التي قامت في عهد النظام السابق.

والمستوى الثالث إقليمي، وتظهر فيه «الشرق الأوسط» وهي تقرأ اتفاقية مكة بوصفها مؤشراً إلى إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي.

وبين هذه المستويات، تبرز فكرة مشتركة: المنطقة لا تعيش مجرد أزمات منفصلة، بل تمر بمرحلة انتقال في موازين القوى والتحالفات وطبيعة الدولة ودورها.

ولهذا تبدو الصحف، رغم اختلاف منطلقاتها السياسية، وكأنها تقرأ حدثاً واحداً من زوايا متعددة: لبنان أمام استحقاق جديد، سورية أمام مرحلة مختلفة، والمنطقة أمام ترتيبات أمنية وسياسية قد تحدد شكل السنوات المقبلة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com