بقلم: طارق قبلان

في حمأة الصراع الدولي على السلطة والسيادة والمرجعية القيميّة، يرتفع التحدي في عالمنا العربي والإسلامي بوجه التيارات الدينية التي تتسيّد المشهد الاجتماعي والسياسي حتى الآن؛ ويستدعي التحدي استجابة مختلفة عن الاستجابة الرتيبة منذ أواخر القرن الماضي، حين كانت مباشرة ومُريحة، ولا تتجاوز شعار “الإسلام هو الحل“؛ فكل الخطاب السياسي الإسلامي كان قائماً على تصور شديد التبسيط لمفهوم السلطة والدولة وآليات التحول الاجتماعي والسياسي…، ويتّكئ على المظلومية الفعلية التي أنزلتها الأنظمة القمعية العربية والإسلامية بشكل عام بالتيارات الإسلامية. لكن هذه التيارات لم تكد تصل إلى السلطة حتى حارت في أمر الأوطان، وعجزت عن مشاركة المجتمع في تدبير سياسته، ولم تفلح في تقديم الحلول العامة، قبل أن تخرج بخفّي حنين، ثم تقع ضحية دورة الجور مرة أخرى، بعد أن أخذ عليها مناوئوها أخطاءً وممارسة سيّئة.

التيارات الإسلامية وتجديد الخطاب الديني
التيارات الإسلامية وتجديد الخطاب الديني

لكن التيارات الإسلامية لم تتوقف بتاتاً عن البحث عن آليات تكفل لها تجديد الخطاب الديني، ولا سيّما تلك التي تجتهد في المجال السياسي، لأنها تجد أن الجمهور ينحو – في أغلب الأحيان – إلى التيارات ذات المرجعيات الزمنية، فيما التيارات الدينية تجد نفسها أولى بالهوى والنصرة باعتبارها طروحاتِها حاملةً للصواب الروحي والزمني. وقد تبرّر كثيراً لنفسها ما تعتبره نكوص العامة بالإيحاء بأن سبب ذلك عجز هذه العامة عن مجاراة عظيم طروحاتها، ونُبل مقاصدها، وإلهية رسالتها… وتنسى أن رسالة الإسلام لا تشكّل امتيازاً  لها من دون الناس، وأن الله لم يجعل رسالته خاصة بفئة دون أخرى، بل جعلها شاملة للبشر على اختلافهم وتنوع فئاتهم، فبشّر مَن اهتدى، وتوّعد مَن خالف واستكبر، وحذّر من الاستبدال إن لم يقم المخاطبون بما يمليه عليهم الخطاب الرباني.

فأين الخلل إذن؟ وما المشكلة أو الإشكالية التي تجعل التيارات الدينية ترى في نفسها ما لا تراه العامة من الناس والجماهير الواسعة من فشلها في تقديم طروحات ناجعة، وحلول مقتدرة، ومقاربات مقبولة لقضايا الناس والدنيا، بغضّ النظر عن الالتزام الفرديّ بأوامر الدين ونواهيه؟!

ظنّي أن خلط التيارات الدينية، وتحديداً السياسية، بين النص الموحى وتفسيراته، ثم التغاضي عن واقع العصر ومنتجاته المادية والمعرفية، جعل المعادلة تثبت على جملة من الركائز المعيقة، وتتمثل بـ “احتكار المعرفة”، و”تجميد الزمان” و”غياب الأسئلة الجذرية”؛ فكَثُر خلط هؤلاء بين النص الديني المؤسس وبين التجربة الإسلامية التاريخية بما تشتمل عليه من تفسيرات وشروحات وتجارب واجتهادات… ويرفعون ذلك إلى مستوى الوحي المتمثل بالنص الديني والكتاب الكريم. فهؤلاء يرون النص “مكتملاً وينطوي على المعرفة كلها… وحقيقة نهائية ومكتملة لا تحتاج إلى زيادة أو تعديل”، وفق رؤية أدونيس.

الوحدة بين الحوزة والجامعة

الوحدة بين الحوزة والجامعة
الوحدة بين الحوزة والجامعة

ظني أن التيارات الدينية لن تفلح في تجديد خطابها، ولا في تحقيق أي نهضة ذات مرجعية دينية إن فرّقت ما بين الحياة الإنسانية والرسالة الدينية وما ينتجه الحوار بينهما من فكر وممارسة؛ وأول السبل إلى ذلك مناهج التعليم. فالمناهج الحالية في المدارس الدينية تعتمد موادّ تقليدية قد ترقى إلى عهود اليونان، كمثل ما هو معمول به في المنطق والفلسفة… ولا تجاري العصر في المواد الإنسانية والاجتماعية على وجه التحديد، مما يجعل المتدين في شيء من العزلة المعرفية والاجتماعية والنفسية… فكيف سيدير دفة السياسة في بحر من الأفكار والأهواء والمطامع؟

لذلك، قد يكون هذا السبب هو الباعث الذي حدا الإمام الخميني (قده)، وتابَعه الإمام الخامنئي الشهيد في ذلك، إلى الدعوة إلى الوحدة بين الحوزة والجامعة، لما في ذلك من فائدة علمية ومعرفية وأخلاقية، فلا تكون الحوزة بمعزل عن مباشرة علوم العصر وتقنياته، ولا تكون الجامعة محرومة من مرجعيتها الفكرية والأخلاقية. بذلك، لا تبقى الحوزة مشدودة إلى أسئلة الماضي وزمنه، ولا تتفلّت الجامعة من موجباتها الأخلاقية والتزاماتها الروحية، وتتولى المؤسستان صياغة إنسان معاصر خلاق، لا يسمح للماضوية بأن تسيطر على تفكيره ومناهجه، بل يحيا زمنه بكل ما فيه، ويسعى بجهده لتمثّل رسالة الإسلام وتجسيدها بما منحه الله من وعي وقدرة وإمكانيات.

 

طارق قبلان

07 – 08 – 2026

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com