تحية عجلتون لمهرجانات بعلبك في عيدها الـ70: عودة جان كوكتو!
من عجلتون، تُرفع تحية فنية إلى بعلبك؛ المدينة بقيت على هامش الاهتمام الرسمي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، تمر هذه السنة بظروف قاسية فرضتها الحرب الراهنة التي أدت إلى صعوبة مجيء المغتربين اللبنانيين والأجانب لزيارة الأماكن الأثرية تارة وتأجيل مهرجانات بعلبك الدولية، وفقاً لبيان مهرجانات بعلبك الدولية، المتمثل بحفلة موسيقية احتفاءً بمرور 70 سنة على انطلاقتها والتي كانت مقررة في 24 تموز الماضي، تكريمًا للموسيقي وقائد الأوركسترا اللبناني -الفرنسي غابرييل يارد، صاحب الباع في الموسيقى التصويرية العالمية.
سبعون عامًا من المجد
وكانت لجنة مهرجانات بعلبك الدولية تستعد لإقامة حدث كبير تخليدًا للذكرى السبعين لانطلاقتها، إلا أنّ الظروف الأمنية حالت دون ذلك. من هنا، ولدت رؤية إبداعية جديدة اقترحتها فرقة الأوتار الرنّانة (Les Cordes Résonnantes) وتبنتها بلدية عجلتون إذ رفضا أن تمرّ هذه المناسبة من دون حضور، أو أن تبقى الذكرى مجرّد سطور في صفحات الصحف.

فكان لا بدّ من تنفيذ هذا العمل كتقدمة امتنان، حتى لو لم يكن على أدراج بعلبك، بل في عجلتون، حيث تأسست الفرقة وانطلقت مسيرتها الثقافية.
وعلمت بـ”المدن” أن العمل سيقام بقيادة المايسترو جو ضو، بمشاركة فاديا طنب الحاج، وعازف العود سمير نصر الدين، والممثل نوح مقدّم، والكاتب حسن مخزوم، وجوقة جامعة سيدة اللويزة، وأوركسترا الأوتار الرنّانة، إلى جانب خمسين فنانًا وعازفًا.

وفي هذا السياق، قال مؤسس فرقة الأوتار الرنّانة (Les Cordes
Résonnantes) إيلي صفير لـ”المدن” إنّ الفرقة أخذت على عاتقها تقديم هذا العمل احتفاءً بمرور سبعين عامًا على انطلاق مهرجانات بعلبك الدولية، كي لا تمرّ هذه الذكرى مرور الكرام. وأوضح صفير أنّ العمل لا يندرج ضمن مسرحية أو أوبرا أو حفلة موسيقية، بل هو مزيج من هذه الفنون الثلاثة، ويمتدّ على مدى ساعة ونصف الساعة.
وينا ناي
يتناول العمل شخصية الشاعر والكاتب المسرحي والمخرج الفرنسي جان كوكتو، الذي افتتح مهرجانات بعلبك الدولية في تموز 1956، بمسرحيته “الآلة الجهنمية” ويجسّد دوره الممثل نوح مقدّم. كما يستعيد العمل الحقبات التاريخية التي مرّت بها مدينة بعلبك، إلى جانب اختيارات موسيقية وفنية مستوحاة من ليالي المهرجانات، لا سيّما الأمسيات اللبنانية الكلاسيكية والشعرية التي طبعت في المدينة.
ويضيف صفير أنّ شخصية جان كوكتو، التي يجسّدها نوح مقدّم، تظهر في العمل وهي تبحث عن سبل التواصل مع مدينة بعلبك؛ فيصارع كوكتو قلمه، ويرفع صوته مردّدًا: “وينا ناي”.
ومن هذا النداء تنبثق الموسيقى الكلاسيكية المختارة من ليالي بعلبك اللبنانية، مستحضرةً الذكريات، يرافقها الشعر في مشاهد تجمع بين المسرح والموسيقى. ويوضح صفير أنّ فكرة البحث عن التواصل ترمز إلى رحلة البحث عن الجمال منذ بدايات بعلبك، إذ تحمل المدينة في هذا العمل اسما آخر وهو “ناي” رمز للإنسان والذاكرة والجمال.
وهكذا تتوالى المشاهد في تحية حيّة تستعيد مجد مهرجانات بعلبك، حاملةً رسالة مفادها أنّ سنوات الانقطاع القسري بين المدينة ومهرجانها، بفعل الظروف الأمنية التي مرّ بها لبنان منذ الحرب الأهلية عام 1975، مرورًا بحرب تموز وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية الأخيرة 2026، لم تتمكّن من قطع الصلة بين بعلبك والفن.
فمهرجانات بعلبك الدولية، التي جعلت من المدينة منصة ثقافية عالمية، ستبقى حاضرة، وستعود مجددًا إلى رحابها التاريخية بين أدراج القلعة الأثرية وفي معبد باخوس، كما هو المعتاد.
كواليس العمل
أشار صفير إلى أنّ هذا العمل يُنفّذ بالتعاون بين الفرقة وجوقة جامعة سيدة اللويزة، وبدعم من بلدية عجلتون التي تولّت تأمين التجهيزات اللوجستية، المسرح والصوت والإضاءة.
وقال صفير أنّ العمل تطلّب وقتًا طويلًا من التدريب والتمرين، حجوزات الحضور قيد التنفيذ، أما الدعوات فستُوجَّه إلى لجنة مهرجانات بعلبك الدولية، وأصدقاء المدينة ومحبيها، إضافة إلى شخصيات إعلامية وسياسية. كما أكد صفير أنّ الفرقة ستقوم بزيارة خاصة إلى وزير الثقافة غسان سلامة لدعوته إلى حضور العمل، وطلب رعاية وزارة الثقافة لهذا العمل.
واعتبر صفير أنّ هذا المشروع سيضيف قيمة معنوية إلى عجلتون، التي لطالما احتضنت وجوهًا ومشاريع ثقافية بارزة. ويقام هذا المشروع في 24 آب، كافتتاحية لمهرجانات عجلتون السنوية التي تقام عادة في أواخر شهر آب.
ونوّه صفير إلى أنّ أهمية هذه الخطوة تنبع من طبيعة الشعب اللبناني الذي لا يختصر حياته في الماديات، بل يشكّل الفن والثقافة والجمال جزءًا أساسيًا من هويته. وأضاف أنّه رغم الأحداث والظروف المأسوية التي يمرّ بها لبنان، لا بد أن نستعيد شيئاً جميلاً من الحياة، مؤكدًا أنّ عجلتون جزء من هذا المجتمع المتعطّش للجمال والثقافة.
وعن سبب اختيار عجلتون مكانًا لإقامة هذا العمل، قال صفير أنّ ذلك يعود إلى كون الفرقة تأسست في البلدة، إضافة إلى وجود مركز ثقافي ناشط وبلدية داعمة للحركة الثقافية وهذه العوامل ساهمت في اختيار المكان، لتكون عجلتون مساحة تُرفع منها تحية فنية إلى بعلبك. أما الدعم المالي، فأكد صفير أنّه توافر من خلال مساهمة بلدية عجلتون وأهلها، الذين احتضنوا هذا العمل وساندوا تنفيذه.
شعلة فنية لا تخمدها الأزمات
ختامًا، يؤكد هذا العمل أنّ مهرجانات بعلبك الدولية ليست حدثًا محصورًا في مكان، بل جزءاً أصيلاً من الفكرة اللبنانية نفسها؛ فكرة تقوم على الفن والثقافة والقدرة على النهوض رغم الأزمات. وستبقى بعلبك شمسًا تضيء لبنان بإرثها وآثارها وتراثها وتاريخها، وسيبقى اللبنانيون يبحثون عن مساحات أمل بين ركام الأزمات، مؤمنين بأن الجمال قادر على الاستمرار.
