أيمن عويدات.. مسيرة مشرفة في القضاء بعلم ونزاهة وجرأة وعدالة
يختتم أيمن عويدات في الخامس عشر من تموز 2026 مسيرة قضائية امتدت لعقود، شغل خلالها مناصب قضائية بارزة وصولاً إلى رئاسة هيئة التفتيش القضائي. ويستعرض نقيب المحامين في بيروت سابقاً، ناضر كسبار، أبرز المحطات المهنية والإنسانية التي طبعت تجربة القاضي أيمن عويدات، متوقفاً عند نهجه في ترسيخ قيم العدالة والنزاهة واستقلال القضاء.
القاضي أيمن عويدات هو ابن القاضي المرحوم فوزي عويدات، وخريج كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية.
البدايات القضائية في المحكمة الإفلاسية
بدأ حياته القضائية كعضو في المحكمة الابتدائية الناظرة في القضايا الإفلاسية برئاسة القاضي عدنان عضوم، وكانت تضم أيضاً الرئيس الأول سهيل عبود عضواً فيها، والجميع يشهد بأنها كانت من أهم المحاكم في تاريخ القضاء اللبناني.
وعلى سيرة القاضي عدنان عضوم، الذي كان لفترة طويلة يتعرض للانتقادات بسبب علاقته مع السلطة السورية السابقة، والتي لن ندخل في مدى صحتها أو عدم صحتها في هذه المقالة اليوم، فإنه كان من أنظف القضاة مادياً.
ويروي القاضي أيمن عويدات أنه زاره مع الرئيس الأول سهيل عبود في منزله المتواضع، حيث دخلت زوجته وأدارت مكيف الغرفة، فانقطع التيار الكهربائي بسبب الاشتراك المحدود بخمسة أمبير.
محكمة بعبدا وأحكام أصبحت مرجعاً قانونياً
تولى القاضي أيمن عويداترئاسة المحكمة الابتدائية في بعبدا الناظرة في الدعاوى التجارية والإفلاسية، وصدر عنها مئات الأحكام التي جُمعت في كتاب ضخم نظراً لأهميتها وقيمتها القانونية.
وخلال هذه المرحلة رفض رفضاً قاطعاً زيارة أي مرجعية سياسية، محافظاً على استقلاليته، وانضباطه، ونظافة لسانه، وإنتاجيته العالية، ملتزماً موجب التحفظ الذي ينبغي أن يتحلى به القاضي.
وباتت القرارات الصادرة عن محكمته تُدرّس في كليات الحقوق نظراً لعمقها ووضوحها وأهميتها الاجتهادية.
وضمت المحكمة إلى جانبه القاضيين حسام عطالله وكارلا معماري، اللذين اشتهرا بالكفاءة والصفات القضائية الرفيعة.
رئاسة هيئة التفتيش القضائي
استمر الوضع على هذا النحو إلى أن عينته الحكومة الحاليةرئيساً لهيئة التفتيش القضائي قبل سنة وثلاثة أشهر من موعد تقاعده.
وكما كان أيمن عويدات قاضياً يصدر الأحكام بعد دراسة وتمحيص، حمل معه النهج ذاته إلى هيئة التفتيش القضائي، فوضع خططاً استراتيجية وتكتيكية لتطوير العمل القضائي والإداري، وأعد خلال أشهر سجلاً مسلكياً لكل قاضٍ.
زيارات مفاجئة للمحاكم وتطوير الأداء القضائي
اعتمد أيمن عويدات أسلوب الزيارات المفاجئة للمحاكم من دون إعلام مسبق، وأبدى إعجابه بطريقة عمل محكمة المنية، وأبلغ وزير العدل بذلك.
وخلال لقاءاته مع القضاة والموظفين، كان يؤكد أهمية القلم الذي يحمله القاضي، معتبراً أن هذا القلم قادر على رفع صاحبه أو إسقاطه، لما يمثله من مسؤولية في إحقاق العدالة.
مواقف حازمة في إدارة العدالة
انتقد أيمن عويدات التأخير في البت ببعض الملفات، ولا سيما طلبات إخلاء السبيل، معتبراً أنه لا يجوز أن يمضي الموقوف سنوات في السجن بينما الحد الأقصى للعقوبة لا يتجاوز سنتين.
كما انتقد الشكاوى الكيدية ضدالقضاة، مستشهداً بإحدى القضايا التي أثبت فيها أحد القضاة قانونية قراره بإبراز النصوص القانونية التي استند إليها.
تكريم وإشادات بمسيرته
تكريم وإشادات بمسيرته
عند تعيينه رئيساً لهيئة التفتيش القضائي، كرّمته جمعية متخرجي كلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية في جامعة القديس يوسف.
ونوه رئيس الجامعة الأب الدكتور سليم دكاش بصفاته، مؤكداً أن العدالة ليست مجرد سلطة، بل معيار نهضة الدولة وأساس ثقة المواطن بمؤسساتها.
كما شدد الوزير السابق القاضي عباس الحلبي على أن العدالة رسالة قبل أن تكون مهنة، واصفاً أيمن عويدات بأنه قاضٍ نزيه لا يساوم، وحكم لا ينفعل، وصادق مع نفسه قبل الناس، وصلب في مبادئه ومترفع عن الإغراءات.
رؤية مختلفة لدور هيئة التفتيش القضائي
رؤية مختلفة لدور هيئة التفتيش القضائي
من جهته، اعتبر أيمن عويدات أن البعض ينظر إلى هيئة التفتيش القضائي بوصفها جهازاً تأديبياً فقط، بينما دورها الحقيقي أوسع بكثير، إذ يبدأ بضبط الأداء والإرشاد، مروراً بحماية صورة القضاء وسمعته، وصولاً إلى دعم القاضي الذي يؤدي واجبه بجدية ووفق الأصول.
ختام مسيرة عنوانها النزاهة
بعد أيام قليلة، يختتم القاضي أيمن عويدات مسيرته القضائية الحافلة، متقاعداً وهو يحظى باحترام القضاة والمحامين والمتقاضين، ويبقى بالنسبة لكثيرين رمزاً للشفافية، ونظافة الكف، والاستقلالية، والمثابرة في خدمة العدالة.
ويستعيد ناضر كسبار في ختام مقاله ما أورده في أحد كتبه عن أهمية نظافة الكف لدى المسؤول، ناقلاً عن النقيب الراحل إدمون كسبار روايته عن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي أبقى على السياسي مكرم عبيد بعد توليه الحكم لما عُرف عنه من نزاهة واستقامة، مؤكداً أن نظافة الكف كانت سبباً في احترامه وتقديره حتى وفاته.
ويختم كسبار بالتمني للقاضي أيمن عويدات بأن تكون مرحلة التقاعد بداية جديدة للعطاء والعمل، وأن يواصل مسيرته بنفس النشاط والهمة والصحة، بعد أن ترك بصمة راسخة في تاريخ القضاء اللبناني.