يثير موضوع صوت أمين السر مرجح عند ترؤسه جلسات مجلس نقابة المحامين في غياب النقيب نقاشاً قانونياً دقيقاً، خاصة عند تساوي أصوات أعضاء المجلس في القضايا التي تتطلب قرارات حاسمة ضمن مهل قانونية محددة. ويستند هذا الجدل إلى تفسير أحكام قانون تنظيم مهنة المحاماة والنظام الداخلي للنقابة، وما إذا كانت صلاحيات أمين السر تمتد إلى امتلاك الصوت المرجح عند إدارته الجلسة.
ناضر كسبار يطرح إشكالية قانونية دقيقة
تناول نقيب المحامين في بيروت السابق، ناضر كسبار، إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بعمل مجلس نقابة المحامين، مشيراً إلى أن هذه المسألة سبق أن أثيرت داخل المجلس، ويمكن أن تتكرر مستقبلاً في أي جلسة.
وأوضح أن المادة (52) من قانون تنظيم مهنة المحاماة تنص على أنه في حال شغور منصب النقيب لأكثر من ستة أشهر تُجرى انتخابات، أما إذا كانت المدة المتبقية أقل من ستة أشهر، فإن أمين السر يتولى منصب النقيب بالوكالة حتى نهاية الولاية.
ماذا يقول القانون عن صوت النقيب المرجح؟
تنص المادة (58) من قانون تنظيم مهنة المحاماة على أن قرارات مجلس النقابة تصدر بالأكثرية، وإذا تساوت الأصوات فإن الجهة التي صوت معها النقيب هي التي تُرجح.
وفي المقابل، تنص المادة (59) من النظام الداخلي للنقابة على أن أمين السر يتولى مهام وصلاحيات النقيب والتوقيع عنه أثناء غيابه.
ومن هنا تنشأ الإشكالية الأساسية: هل يعني ذلك أن صوت أمين السر مرجح أيضاً عندما يترأس جلسة المجلس في غياب النقيب؟
الحالات التي تبرز فيها الإشكالية
يشير كسبار إلى أن هذه المسألة تظهر بصورة خاصة في الملفات الحساسة، ومن أبرزها:
- الاعتراضات على قرارات النقيب المتعلقة بإذن التوكل.
- طلبات الإذن بملاحقة المحامين جزائياً.
- الملفات التي يختص مجلس النقابة بالفصل فيها ضمن مهل قانونية إلزامية.
وفي حال تساوي الأصوات (5 مقابل 5 أو 4 مقابل 4)، يصبح تحديد ما إذا كان صوت أمين السر مرجح أم لا مسألة جوهرية قد تؤثر مباشرة في مصير القرار.
التمييز بين الشغور وغياب النقيب
يفرق الكاتب بين حالتين أساسيتين.
أولاً: شغور منصب النقيب
يرى أن النص القانوني واضح، إذ يتولى أمين السر منصب النقيب بالوكالة بكامل صلاحياته، وبالتالي فإن صوت أمين السر مرجح حكماً عند تساوي الأصوات.
ثانياً: الغياب المؤقت للنقيب
أما في حالة غياب النقيب بسبب السفر أو لأي سبب آخر، فإن المادة (59) من النظام الداخلي تمنح أمين السر صلاحية القيام بمهام النقيب والتوقيع عنه.
لكن السؤال يبقى قائماً حول ما إذا كانت هذه الصلاحيات تشمل أيضاً امتلاك الصوت المرجح داخل جلسات مجلس النقابة.
الإشكالية العملية داخل مجلس النقابة
يعرض كسبار مثالاً عملياً سبق أن طُرح داخل مجلس النقابة.
فإذا اضطر النقيب إلى مغادرة الجلسة، وكان عدد الأعضاء الحاضرين عشرة فقط، وترأس أمين السر الاجتماع، ثم طُرح ملف يتعلق بإذن التوكل أو الإذن بالملاحقة، وانقسم التصويت بالتساوي خمسة مقابل خمسة، فما هو الحل القانوني؟
ويؤكد أن هذه الحالة ليست نظرية، بل حصل نقاش بشأنها استمر لساعتين قبل أن يمتنع أحد الأعضاء عن التصويت، الأمر الذي أنهى التعادل.
رأيان قانونيان حول تفسير النص
يعرض الكاتب اتجاهين في تفسير النصوص.
الرأي الأول
يقوم على تفسير النصوص وفق حسن النية وتحقيق المصلحة القانونية.
وبحسب هذا الاتجاه، فإن ترؤس أمين السر للجلسة يعني انتقال جميع صلاحيات إدارة الجلسة إليه، بما فيها اعتبار أن صوت أمين السر مرجح، منعاً لتعطيل القرارات أو انقضاء المهل القانونية التي قد تؤدي إلى نتائج قانونية تلقائية، مثل اعتبار إذن الملاحقة معطى حكماً.
الرأي الثاني
أما الاتجاه الآخر، فيتبنى تفسيراً حرفياً وضيقاً للنصوص، باعتبار أن قانون تنظيم مهنة المحاماة قانون استثنائي يجب تفسيره حصراً.
وبالتالي فإن المادة (58) تحدثت صراحة عن “صوت النقيب”، ولم تذكر أمين السر، ما يعني – وفق هذا الرأي – عدم انتقال ميزة الصوت المرجح إليه إلا في حالة شغور المنصب رسمياً.
الرأي القانوني الذي يرجحه الكاتب
يميل ناضر كسبار إلى تبني الاتجاه الأول، معتبراً أن صوت أمين السر مرجح عندما يترأس جلسة مجلس النقابة بصورة قانونية، لأن ذلك ينسجم مع حسن سير العدالة ويمنع تعطيل الملفات التي ترتبط بمهل قانونية ملزمة، كما ينسجم مع ممارسة صلاحيات النقيب أثناء غيابه في إدارة الجلسة.
تسلط هذه الإشكالية الضوء على واحدة من أدق المسائل الإجرائية في عمل مجلس نقابة المحامين، حيث يتقاطع التفسير الحرفي للنصوص مع مقتضيات حسن سير العدالة. وبين الرأيين المطروحين، يرجح الكاتب أن صوت أمين السر مرجح عند ترؤسه جلسة المجلس في غياب النقيب، باعتبار أن انتقال صلاحيات إدارة الجلسة يقتضي تمكينه من ممارسة جميع الصلاحيات المرتبطة بها، بما يضمن استمرارية عمل المجلس ويحول دون تعطيل القرارات أو سقوطها بفعل انقضاء المهل القانونية.
