الدكتور محمد خليل رضا:لماذا لا تُنشأ في لبنان وزارة للمجاهدين؟ على غرار وزارة المجاهدين في الجزائر وغيرها من الدول
الحلقة الأولى (1/2)
بقلم: الدكتور محمد خليل رضا
بالأمس، شيّعت بلدة الدوير (قضاء النبطية – جنوب لبنان)، بالدموع والورود، عشرات الشهداء (رحمهم الله)، من مختلف الأعمار: رجالًا، ونساءً، وشبابًا، وأطفالًا.
وقبلهم، وفي الوقت نفسه، شيّعت قرى عديدة في جنوب لبنان، والبقاع الغربي، وبعلبك، والهرمل، والضاحية الجنوبية لبيروت، وفي مناطق أخرى من لبنان، شهداءها (رحمهم الله)، وهم من مختلف الأعمار ومكونات المجتمع.
فهؤلاء الشهداء الأبطال (رحمهم الله)، وعائلاتهم، وأبناؤهم، بحاجة إلى لفتة كريمة من الدولة اللبنانية، وإلى رعاية حانية ورؤوفة، من خلال إنشاء وزارة تحمل اسم “وزارة المجاهدين”، على غرار وزارة المجاهدين في الجزائر، أو ما يعادلها في بعض دول العالم.
وللتذكير، فإن وزير المجاهدين في الجزائر، الذي شغل هذا المنصب سنوات عديدة، كان مجاهدًا ومن قيادات الثورة الجزائرية، وقد عرفته شخصيًا (رحمه الله)، وكان من المدخنين. ويقع مقر وزارة المجاهدين الجزائرية في ضواحي العاصمة الجزائر، على طريق الحي الجامعي في بن عكنون.
وقد تأسست وزارة المجاهدين في الجزائر عام 1962، وهي تُعنى برعاية ضحايا ثورة التحرير، والمجاهدين، وأسر الشهداء، وذوي الحقوق.
كما نجد في العديد من دول العالم مؤسسات وإدارات وهيئات، مدنية أو عسكرية، تتبع لوزارات الدفاع أو الداخلية أو الشؤون الاجتماعية، تعنى بشؤون المجاهدين أو قدامى المحاربين.
وسأستعرض باختصار بعض هذه النماذج:
في مصر: توجد جمعية المحاربين القدماء وضحايا الحرب.
في فرنسا: يوجد المكتب الوطني للمحاربين القدماء، ويتبع لوزارة القوات المسلحة.
في الولايات المتحدة الأمريكية: توجد وزارة شؤون المحاربين القدامى (Department of Veterans Affairs)، المعروفة اختصارًا بـ (VA). وقد تأسست بصيغتها الحالية عام 1989، لتقديم الرعاية والمزايا للعسكريين القدامى وعائلاتهم.
وتتولى هذه الوزارة ثلاثة قطاعات رئيسية:
إدارة الرعاية الصحية، وهي أكبر نظام رعاية صحية متكامل في الولايات المتحدة.
إدارة استحقاقات المحاربين القدامى، التي تقدم الدعم المالي، والتعليمي، وقروض الإسكان.
إدارة المقابر الوطنية، التي تشرف على المدافن الفيدرالية المخصصة للمحاربين القدامى.
في ألمانيا:
تتولى وزارة الدفاع الاتحادية رعاية شؤون العسكريين القدامى. ويُطلق مصطلح “محارب قديم” على كل جندي يخدم حاليًا أو تقاعد بشرف، وقد أُقر هذا المفهوم رسميًا عام 1978.
كما تحتفل ألمانيا رسميًا بـ اليوم الوطني للمحاربين في الخامس عشر من حزيران (يونيو) من كل عام، تكريمًا للعسكريين وتقديرًا لجهودهم، وتعزيزًا لاندماجهم في المجتمع.
وتوجد أيضًا جمعيات منظمة تُعنى بشؤون قدامى المحاربين، منها:
رابطة المحاربين القدامى.
رابطة جنود الجيش الألماني.
في بريطانيا:
يوجد مكتب شؤون المحاربين القدامى (Office for Veterans’ Affairs)، إضافة إلى وكالة شؤون المحاربين القدامى (Veterans UK)، وكلاهما يتبعان وزارة الدفاع البريطانية، ويقدمان خدمات الرعاية الصحية، والدعم المالي، والتقاعدي، والتعويضات، والرعاية الاجتماعية.
في إيران:
توجد مؤسسة حكومية رسمية تُعرف باسم مؤسسة الشهداء والمحاربين القدامى، وهي مؤسسة مستقلة ترتبط مباشرة بمكتب المرشد الأعلى، وتتولى:
رعاية أسر الشهداء.
رعاية المحاربين القدامى، ولا سيما ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة، الذين يُعرفون في إيران باسم “جانباز”.
تقديم القروض السكنية، وبرامج الدعم الاجتماعي والاقتصادي، والرعاية الطبية.
في العراق:
تتولى المديرية العامة لشؤون المحاربين في وزارة الدفاع متابعة شؤون مقاتلي الجيش العراقي السابق والمتقاعدين.
كما تقوم مؤسسة الشهداء برعاية ذوي ضحايا النظام السابق وضحايا العمليات الإرهابية، بينما تعنى مؤسسة السجناء السياسيين بضحايا الاعتقال السياسي.
أما في لبنان:
فتتولى رعاية شؤون المتقاعدين العسكريين وضحايا الحرب جهات رسمية وروابط تمثيلية، منها:
وزارة الدفاع الوطني، من خلال إدارة شؤون المتقاعدين والتعويضات.
رابطة قدماء القوى المسلحة اللبنانية، وهي الجهة التمثيلية المعتمدة رسميًا، وترتبط بوزارة الدفاع ووزارة الداخلية.
غير أننا كثيرًا ما شاهدنا، ميدانيًا وعبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية، العسكريين المتقاعدين يتظاهرون، ويعتصمون، ويقطعون الطرقات، بل وصل الأمر إلى الاعتصام عند المدخل الرئيسي لمجلس النواب، وهم يرتدون قبعاتهم وملابس خدمتهم العسكرية، مطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية.
كما كانوا يصطحبون بعض العسكريين المصابين بإعاقات مختلفة، فمنهم من كان على كرسي متحرك، ومنهم من بُترت أطرافه، أو أصيب في بصره أو سمعه.
وهنا أود أن أسجل ملاحظة أخوية:
إن الجندي يعلم منذ البداية أنه ذاهب إلى الجبهة، وإلى القتال، وأنه قد يستشهد أو يُصاب بإعاقة بصرية أو سمعية أو حركية، أو ببتر في أحد الأطراف، أو بغير ذلك من الإصابات.
لكنني أتمنى ألا يُستغل أصحاب الإعاقات في التظاهرات والاعتصامات من أجل كسب التعاطف أو تحقيق مكاسب معينة، بطريقة لا تليق بتضحياتهم.
كما أن بعض الخطابات التي صدرت عن ممثليهم، وارتفع سقفها إلى مستويات لا تعكس، في بعض الأحيان، روح المسؤولية الوطنية. ولا ننسى أن بعض المحتجين اقتحموا في السابق مبنى وزارة الخارجية اللبنانية، وعبثوا بمحتوياته.
أهكذا علّمكم الجيش اللبناني، أيها الأحبة؟
نقول ذلك من باب المحبة للوطن، والتقدير لتضحياتكم.
وأختم الحلقة الأولى بحكمة للإمام علي بن أبي طالب (أبي الحسن) عليه السلام:
“صديقك من حذّرك، وعدوك من أغراك.”
الدكتور محمد خليل رضا
طبيب شرعي، وأخصائي في تشريح الجثث، وعلم الضحية، والقانون الطبي، والإيذاء الجسدي، وعلم الجريمة، وجراح، وأستاذ جامعي، وأستاذ مساعد سابق في مستشفيات باريس – فرنسا، والمسؤول العلمي في التجمع الطبي الاجتماعي اللبناني، وله اختصاصات أخرى متنوعة.
بيروت – لبنان.
