شهيد أميركي في تبريز: حين تفضح الحريةُ الدولةَ التي تتكلم باسمها
كتب باسم الموسوي
يكتب رضا أصلان في An American Martyr in Persia سيرة هوارد باسكرفيل كما لو أنه يلاحق شبحًا أخلاقيًا هاربًا من تاريخين: تاريخ إيران الذي عرفه ثم نسيه، وتاريخ أميركا الذي لم يعرفه أصلًا. ليست المسألة، في ظاهرها، أكثر من حكاية شاب أميركي بروتستانتي جاء إلى تبريز سنة 1907 معلّمًا ومبشّرًا، ثم حمل السلاح مع طلابه دفاعًا عن الثورة الدستورية الفارسية، فقُتل في الرابعة والعشرين من عمره. لكن أصلان لا يكتب “بطولة” بالمعنى المدرسي، ولا يكتفي بإعادة نصب تمثال لرجل طواه النسيان. إنه يكتب عن مفارقة أعمق: كيف يمكن لفكرة أميركية عن الحرية أن تنجو من أميركا نفسها؟ وكيف يمكن لشاب خرج من رحم التبشير البروتستانتي، ومن جامعة برنستون، ومن زمن وودرو ولسون، أن ينقلب من رسول حضارة إلى شاهد على عجز الحضارة التي أرسلته؟
في مدخل الكتاب يضع أصلان مفتاح القراءة كله. باسكرفيل، في ذاكرة الإيرانيين، كان “الأميركي” لا بوصفه حامل جواز سفر، بل بوصفه استعارة لأميركا أخرى: فتية، ساذجة قليلًا، مؤمنة بأن الحرية حق لا يُمنح من فوق. لكنه بعد ثورة 1979، ومع تراكم العداء الأميركي ـ الإيراني، مُحي من الذاكرة الإيرانية، كما كان أصلًا غائبًا عن الذاكرة الأميركية. هكذا يبدأ الكتاب من قبر مهجور في تبريز، ومن تمثال أُبعد إلى زاوية في متحف، ومن اسم كان يومًا جسرًا بين شعبين ثم صار أثرًا بلا سياق. يقول أصلان إن باسكرفيل جاء إلى فارس في خريف 1907 ليعلّم الإنجليزية والتاريخ ويبشّر بالإنجيل، لكنه انتهى مقاتلًا مع طلابه في ثورة دموية ضد طاغية، ومات شهيدًا لقضية الحرية والديمقراطية.
قوة الكتاب أنه لا يبسّط بطله. باسكرفيل ليس قديسًا منزّهًا ولا “منقذًا أبيض” كما قد تقول قراءة ما بعد استعمارية متسرعة. هو ابن عالمه: ابن عائلة قساوسة مشيخيين، ابن أميركا البروتستانتية التي كانت ترى نفسها صاحبة رسالة، ابن برنستون التي كان وودرو ولسون يعيد تشكيلها لتصنع رجالًا يخدمون الأمة والعالم. هنا يشتغل أصلان بحسّ تاريخي جيد: لا يفصل الحماسة الأخلاقية عن نسبها الإيديولوجي. الحرية التي حملها باسكرفيل إلى تبريز خرجت من رحم مختلط: إيمان ديني، تبشير، فكرة أميركية عن الرسالة، نزعة دستورية، وتصور ولسوني مبكر عن أن السياسة امتداد للأخلاق المسيحية. لهذا يبدو باسكرفيل في البداية امتدادًا لمؤسسة، ثم يصير في النهاية خيانة نبيلة لها.
يفتح أصلان المشهد من نيويورك، من مبنى مجلس البعثات المشيخية، ومن شاب يحمل صندوقًا صغيرًا وكتابًا مقدسًا وبعض الكتب والثياب، متجهًا إلى “العمل المحمدي”، أي إلى مهمة تبشيرية بين المسلمين. هذه البداية مهمة لأنها تكسر الرومانسية اللاحقة. باسكرفيل لم يصل إلى إيران ثوريًا. وصل مبشّرًا. لم يذهب إلى تبريز بحثًا عن موت جميل، بل تنفيذًا لتكليف كنسي. لكنه وصل في اللحظة التي كانت فيها فارس تعيش مخاضًا استثنائيًا: الثورة الدستورية، الصراع بين البرلمان والشاه، محاولة نقل السلطة من الحاكم المطلق إلى الأمة، وتحوّل تبريز إلى قلب المقاومة. هنا ينتقل الكتاب من سيرة فرد إلى تاريخ ثورة، ومن حياة شاب أميركي إلى امتحان عالمي لفكرة الدستور.
الثورة الدستورية الفارسية في عرض أصلان ليست نسخة شرقية عن أوروبا، وليست تقليدًا ساذجًا للغرب. هي حركة محلية عميقة جمعت التجار ورجال الدين والمثقفين والحرفيين والطلاب حول مطلب تقييد السلطة. صحيح أن لغة الثورة استعارت من فرنسا وأميركا مفردات الدستور والحرية والتمثيل، لكنها لم تكن غريبة عن تاريخ فارس ولا عن سجالاتها الدينية والسياسية. لذلك تبدو تبريز في الكتاب مختبرًا لفكرة شديدة الأهمية: أن الدستور لا يولد فقط في البرلمانات، بل في الأسواق، في الجوع، في الحصار، في المدن التي تكتشف أن الطاغية لا يُقاوَم بالشكوى بل بتنظيم الشعب.
في المقابل، يكشف الكتاب الوجه الآخر للمسألة: لا توجد ثورة دستورية في بلد ضعيف من دون سؤال الخارج. فارس كانت ممزقة بين روسيا وبريطانيا، والاتفاق الأنغلو ـ روسي سنة 1907 لم يكن تفصيلًا دبلوماسيًا بل حكمًا بإبقاء البلاد ناقصة السيادة. تقاسمت الإمبراطوريتان النفوذ، وتُرك الدستوريون بين شاه مدعوم من الخارج وقوى دولية لا تريد ديمقراطية تربك مصالحها. هذه من أجمل مفارقات الكتاب: الغرب الذي ينتج خطاب الحرية لا يريد دائمًا حرية الآخرين. وبريطانيا التي تعرف البرلمان لا تتحمس لبرلمان فارسي إذا عرقل الحسابات الإمبراطورية. وروسيا التي تخشى عدوى الدستور تدعم الاستبداد. أما أميركا، التي لم تكن بعد القوة الإمبراطورية الكبرى في إيران، فتظهر عبر باسكرفيل كاحتمال أخلاقي فردي لا كسياسة دولة.
من هنا يتشكل جوهر المأساة. باسكرفيل يكتشف أن الحياد ليس دائمًا فضيلة. القنصل الأميركي والبعثة المشيخية يريدانه أن يبقى معلّمًا، أن لا يورط الكنيسة ولا الدولة، أن لا يخلط التعليم بالتاريخ الحي. يُحذَّر من أن مشاركة أميركي في عصيان ضد حكومة شرقية قد تُعد خيانة وجريمة كبرى. لكن الشاب يرى أمامه شيئًا آخر: طلابه أنفسهم يدخلون المعركة، المدينة تُحاصَر، الناس يجوعون، الثورة التي درسها في الكتب تصير واقعًا في الشارع. عندئذ لا يعود السؤال: هل يحق للأجنبي أن يتدخل؟ بل: ماذا يفعل الإنسان حين تصبح المبادئ التي يدرّسها أقل صدقًا من دم من يتعلمونها منه؟ تشير نتائج الكتاب إلى أن القنصل الأميركي حذّره من مساعدة أي طرف لأن الحكومة الأميركية “محايدة”، واعتبر أن انخراطه قد يضر بالمصالح الأميركية وبالبعثة المشيخية؛ لكن هذا الحياد نفسه يظهر كاسم آخر للعجز الأخلاقي.
تبلغ المفارقة ذروتها حين تنكر المؤسسة التي أرسلته أنه واحد منها. بعد مقتله، حاول مجلس البعثات المشيخية التخفف منه، كأنه لم يكن مبشرًا بل مجرد معلّم عابر. لكن أصلان يعرض وثائق طلبه الإرسالي، وفيها التزامه بجعل “قيادة النفوس إلى المسيح” واجبه الأول، كما يبيّن أن طلبه حمل توصيات من وودرو ولسون وعميد برنستون، وأن المدرسة الأميركية في تبريز كانت جزءًا من المشروع التبشيري عمليًا وإن اختلفت الصيغ الإدارية. هنا يصبح موت باسكرفيل فضيحة للمؤسسة: لقد أخذ خطابها على محمل الجد أكثر مما أرادت. صدّق أن الحرية كونية، فخان حدود المصلحة. آمن أن التعليم ليس ترويضًا بل تحرير، فصار تلميذًا عند تلاميذه.
واحدة من أجمل حركات الكتاب هي قلب العلاقة بين المعلّم والمتعلمين. باسكرفيل جاء إلى تبريز ليعلّم الفرس، لكنه في العمق تعلّم منهم معنى أن تكون الحرية ثمنًا لا شعارًا. طلابه لم يكونوا مادة تبشيرية، بل صاروا رفاق سلاح. والمدينة التي جاءت في المخيلة التبشيرية بوصفها حقلًا لإنقاذ “الآخر” صارت هي التي تنقذ الشاب الأميركي من براءة بلاده الزائفة. بهذا المعنى، الكتاب لا يروي فقط كيف مات باسكرفيل في إيران، بل كيف وُلد أخلاقيًا هناك.
ستار خان، “قائد الشعب”، يحتل في السرد موقعًا مقابلًا لباسكرفيل. الأول ابن الأرض والثورة والسوق والسلاح، والثاني ابن برنستون والكنيسة والبعثة. لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة: أن الشرعية لا تأتي من العرش بل من الاستعداد للدفاع عن الناس. حين ينضم باسكرفيل إلى قوات ستار خان، لا يعود مجرد متعاطف. يدرّب المتطوعين، يقود مجموعة من الشباب، ويشارك في تنظيم ما سُمّي “جيش الخلاص”. يذكر الكتاب أن هؤلاء كانوا في معظمهم شبانًا وطلابًا وأبناء تجار ورجال دين، نحو مئة وخمسين مقاتلًا تحت قيادة باسكرفيل، أخذوا عهدًا بالشجاعة وعدم التراجع. في هذه اللحظة يصير الاسم الأميركي جزءًا من النسيج التبريزي، لا فوقه.
لكن رضا أصلان لا يكتب تاريخًا بلا عيوب. أسلوبه روائي، مشهدي، مشبع بإعادة بناء التفاصيل: الميناء، السفينة، الشوارع، الوجوه، الملابس، البرد، الجوع. هذا يمنح الكتاب جاذبية قوية، لكنه أحيانًا يدفعه إلى حافة التخييل التاريخي. القارئ يشعر أن أصلان يريد أن يرى باسكرفيل كما لو كان أمام كاميرا، لا في الأرشيف فقط. وهذه ميزة ونقطة ضعف في آن. ميزة لأنها تعيد الحياة إلى شخصية مطمورة، ونقطة ضعف لأنها تجعل السرد أحيانًا شديد الثقة بما لا تسمح به الوثيقة دائمًا. غير أن أصلان يعوّض ذلك بوضوحه في مواضع كثيرة حين يعلن أن بعض التفاصيل إعادة تخييل مبنية على رحلات ووثائق مشابهة، لا على يقين مطلق.
الأهم من ذلك أن الكتاب يستعيد لحظة نادرة في تاريخ العلاقة الأميركية ـ الإيرانية قبل أن تُدفن تحت انقلاب 1953، ودعم الشاه، والثورة الإسلامية، والرهائن، والعقوبات، والحروب بالوكالة. باسكرفيل هنا ليس مجرد فرد، بل احتمال ضائع. كان يمكن لأميركا أن تُرى في إيران كبلد باسكرفيل، لا كبلد الانقلابات والمصالح. وكان يمكن لإيران أن تُرى في أميركا كبلد ثورة دستورية حديثة، لا ككتلة غامضة من التعصب أو النفط أو العداء. لذلك تبدو سيرة باسكرفيل مرآة لما فشل البلدان في الحفاظ عليه: إمكانية الاحترام المتبادل.
وهنا تأتي حساسية الكتاب السياسية. أصلان، الإيراني ـ الأميركي، لا يخفي رغبته في بناء جسر رمزي بين الشعبين. لكنه لا يقع في خطاب مصالحة ساذج. فباسكرفيل نفسه يُظهر أن العلاقة الأخلاقية بين الشعوب لا تمر دائمًا عبر الدول. بل ربما تبدأ حين يعصي الفرد دولته ومؤسسته وامتيازاته. لذلك لا ينبغي قراءة الكتاب كدعوة إلى “استعادة أميركا الطيبة” على نحو رومانسي، بل كتمييز بين أميركا الممكنة وأميركا الفعلية، بين المواطن الذي يخاطر من أجل مبدأ والدولة التي تزن المبدأ بميزان المصالح.
نهاية باسكرفيل تمنح الكتاب طابعه التراجيدي. يموت الشاب في بستان خارج تبريز وهو يحاول مع رفاقه كسر الحصار. لكن موته لا يحلّ المسألة، بل يعمّقها. الثورة الدستورية تستمر، الشاه يسقط، لكن الحلم لا يكتمل. ستأتي الانقسامات والتدخلات والحرب والعسكر، ثم رضا خان والدولة البهلوية. كأن الكتاب يقول إن الشهادة قد تنقذ معنى الثورة، لكنها لا تضمن مصيرها. الدم يمنح الحلم شرعية أخلاقية، لا مؤسسات سياسية. وهذه ربما هي الفكرة الأكثر قسوة في الكتاب: أن الثورات تحتاج شهداء، لكنها تموت إن لم تجد ما هو أصعب من الشهادة، أي النظام والعدالة والقدرة على منع عودة الاستبداد بوجه جديد.
بهذا المعنى، شهيد أميركي في فارس ليس كتابًا عن الماضي وحده. إنه كتاب عن حاضر كل ثورة تُخذل من الخارج وتنهكها تناقضاتها من الداخل. كتاب عن المثقف أو المعلّم حين يكتشف أن المعرفة التي لا تتحول إلى موقف تصبح زينة أخلاقية. كتاب عن الغريب الذي لا يصير أخًا لأنه تكلم باسم الحرية، بل لأنه قبل أن يدفع ثمنها مع أهلها. وكتاب عن الذاكرة حين تعاقب من لا يخدم سردياتها الجديدة: إيران ما بعد الثورة لم تعد تريد أميركيًا شهيدًا في تاريخها، وأميركا لم ترد يومًا أن تتذكر شابًا يذكّرها بأن أجمل ما فيها قد يولد أحيانًا ضد سياستها.
لذلك تنجح مراجعة الكتاب في اختباره الأخير: هل يجعلنا نهتم بباسكرفيل لأنه أميركي مات في إيران، أم لأنه كشف أن الحرية لا جنسية لها حين تكون جدية؟ الجواب الثاني هو ما يمنح السيرة قيمتها. فلو كان باسكرفيل مجرد أميركي في ثورة فارسية، لبقي طرافة تاريخية. لكنه في نص أصلان يصبح سؤالًا موجهًا إلى كل خطاب يدّعي الكونية: ماذا تفعل حين يطلب منك الآخر أن تطبق مبادئك عليه لا أن تعظه بها؟ هنا، لا يعود باسكرفيل شهيد فارس وحدها، بل شهيد التناقض بين المبدأ والمصلحة، بين التعليم والتورط، بين الدولة والضمير. وهذه هي عظمة الكتاب وحدوده معًا: أنه يجعل من قبر مهجور في تبريز محكمة صغيرة لتاريخ كامل من الكلمات الكبيرة التي لم تصمد دائمًا أمام أول امتحان.
