في تصعيد يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية، تواصل إسرائيل اعتماد سياسة “الأرض المحروقة” في جنوب لبنان، عبر غارات مكثفة وقصف متكرر بالفسفور الأبيض والمواد السامة، ما حوّل مناطق واسعة جنوب الليطاني إلى بيئة ملوثة تهدد حياة السكان والطبيعة معًا، وسط اتهامات لبنانية بارتكاب “إبادة بيئية” ممنهجة تهدف إلى تهجير الأهالي وكسر صمود المقاومة والبيئة الحاضنة لها.
ووفق تقارير وخبراء بيئيين وعسكريين، فإن الغارات الإسرائيلية لم تعد تخلّف دمارًا عمرانيًا فقط، بل تنتج عنها انبعاثات خطرة من معادن ومواد سامة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم، تترسب في التربة والمياه وتؤثر على صحة السكان لسنوات طويلة.
وأشار الصحفي صهيب العصا، استنادًا إلى خرائط تفاعلية، إلى أن القصف الإسرائيلي يتركز بشكل لافت في محيط نهر الليطاني وصولًا إلى الزهراني وأطراف صيدا، في محاولة لتدمير مقومات الحياة الزراعية والبيئية ودفع السكان إلى النزوح القسري، حيث تجاوز عدد النازحين المليون شخص من عشرات القرى الجنوبية.
وتتهم جهات لبنانية الاحتلال باستخدام قذائف الفسفور الأبيض الحارق، التي تشتعل فور ملامستها الهواء وتلتهم الأشجار والمساحات الخضراء، في مشهد يعيد إلى الواجهة مصطلح “الإيكوسايد” أو “الإبادة البيئية”، الذي يصف التدمير المتعمد واسع النطاق للبيئة.
وزيرة البيئة اللبنانية تمارا الزين كانت قد وصفت ما يجري في الجنوب بأنه “إبادة بيئية” ممنهجة، معتبرة أن إسرائيل تعتمد النهج ذاته الذي استخدمته في قطاع غزة، والقائم على تدمير البنى الحياتية ومنع السكان من العودة إلى قراهم.
من جهته، رأى الخبير العسكري العميد إلياس حنا أن الاستهداف الإسرائيلي يندرج ضمن محاولة خلق منطقة مدمرة وعازلة في العمق الجنوبي، في ظل فشل الاحتلال في فرض معادلاته ميدانيًا رغم كثافة القصف، مؤكدًا أن تدمير البيئة والبنية الزراعية بات جزءًا من الحرب النفسية والعسكرية ضد سكان الجنوب.
وفي السياق نفسه، حذر الخبير البيئي زياد أبي شاكر من مخاطر استخدام مواد كيميائية ومبيدات سامة، بينها مادة “غلايفوسيت” المسرطنة، إضافة إلى التداعيات الخطيرة لتحطم ألواح الطاقة الشمسية وانتشار مكوناتها السامة في التربة.
كما أشار إلى وجود مخاوف من استخدام ذخائر تحتوي على اليورانيوم المنضب، داعيًا الدولة اللبنانية إلى توثيق الانتهاكات ورفع شكاوى عاجلة إلى الأمم المتحدة باعتبارها جرائم حرب موصوفة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تؤكد فيه الأوساط الجنوبية أن محاولات التهجير وكسر إرادة الأهالي لن تنجح، رغم حجم الدمار والاستهداف المستمر للقرى والحقول والبنى المدنية.
