تكشف التطورات الأخيرة في جبل الشيخ عن تحوّل استراتيجي خطير، بعدما باتت قممه، التي سيطرت عليها إسرائيل عقب سقوط النظام السوري السابق، نقطة انطلاق لعمليات عسكرية باتجاه لبنان. هذا التحول لا يعكس فقط تفوقاً جغرافياً، بل يؤشر إلى تغيّر عميق في موازين القوى، في ظل غياب الدور السوري الفاعل على الأرض.

ومنذ أواخر عام 2024، عملت إسرائيل على ترسيخ سيطرتها على المرتفعات، مستثمرةً الانهيار العسكري في الجنوب السوري، حيث عمدت إلى تفكيك البنية الدفاعية السورية وتوسيع نطاق انتشارها من الجولان نحو درعا والقنيطرة، وصولاً إلى السفوح الشرقية لسلسلة حرمون. لكن التطور الأبرز تمثل في استخدام هذه القمم للانطلاق غرباً نحو جنوب لبنان، عبر مسارات جديدة لم تكن متاحة سابقاً.

هذا الواقع أتاح للقوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات التفاف وتسلل، مستفيدة من الفراغ الأمني، كما حدث في تحركاتها نحو مزارع شبعا ومناطق العرقوب، في إطار سعيها لقطع الطريق على أي تحرك للمقاومة. ويُعد استخدام الأراضي السورية كمنصة لشن هجمات على لبنان سابقة لافتة، تعكس غياب التنسيق أو الدعم السوري الذي كان حاضراً في الحروب السابقة.

فعلى امتداد عقود، شكّلت سوريا عمقاً استراتيجياً للبنان، سواء عبر الدعم العسكري أو السياسي أو اللوجستي، إلا أن المشهد الحالي يظهر تحولاً جذرياً، حيث تبدو دمشق في موقع الحياد، أو العجز، في مواجهة التمدد الإسرائيلي. ويتزامن ذلك مع استمرار تل أبيب في توسيع نفوذها داخل الجنوب السوري، مستفيدة من انشغال الداخل السوري بأزماته الأمنية والاجتماعية.

وفي الوقت الذي تخوض فيه المقاومة في لبنان مواجهات عنيفة على الحدود، تلتزم القوات المرتبطة بالسلطة الانتقالية السورية موقفاً متحفظاً، ما يفتح المجال أمام إسرائيل لتعزيز حضورها من دون مواجهة تُذكر. هذا التراخي، بحسب مراقبين، يشجّع الاحتلال على المضي قدماً في فرض وقائع ميدانية جديدة، سواء في سوريا أو لبنان.

إقليمياً، يتقاطع هذا المشهد مع تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا، في ظل مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهة. كما أن الخطاب التصعيدي المتبادل يعكس مرحلة جديدة من الصراع، قد تمتد إلى ساحات إضافية في المنطقة.

في المحصلة، لم يعد جبل الشيخ مجرد موقع جغرافي مرتفع، بل تحوّل إلى قاعدة متقدمة تعيد رسم معادلات الصراع في الجنوب، وسط فراغ سوري واضح، واستراتيجية إسرائيلية تقوم على استغلال هذا الفراغ لتوسيع نفوذها وفرض واقع جديد على الأرض.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com