اقتصاد- مقال- البناء
بقلم: حسن حردان
قرّرت حكومة الرئيس نواف سلام أن ترسل إلى مجلس النواب مشروع قانون برفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، فضلاً عن إصدار مراسيم بمفاعيل فورية بزيادة سعر صفيحة البنزين بقيمة 300 ألف ليرة (3.35 دولارات)، وتعديل الرسوم على المستوعبات لتصبح 50 دولاراً على المستوعب من فئة 20 قدماً، و80 دولاراً على المستوعب من فئة 40 قدماً، وذلك لتغطية الزيادة التي أقرّتها على الرواتب للعسكريين والأساتذة والموظفين.. وسط معارضة عدد من الوزراء بعد نقاش ساخن بين الوزراء.
إقرأ أيضاً:
٧٦% من اللبنانيين يعيشون على حافة الهشاشة الاقتصادية
وزير الاقتصاد إلتقى وفدا من صندوق النقد الدولي… وهذا ما جرى بحثه
والأسئلة التي تطرح في هذا السياق هي:
ألا تشكل هذه الزيادة المقرونة برفع الضرائب غير المباشر التفافاً على المطالب المحقة، حيث أقرّت الحكومة زيادة للعسكريين والموظفين والأساتذة من جيوبهم وجيوب عامة المواطنين، بحيث أعطت بيد وأخذت باليد الأخرى؟
وما هي تداعيات مثل هذه الخطوة الارتجالية على القدرة الشرائية للمواطنين، ألا تؤدّي الى ارتفاع الأسعار لا سيما وانّ الزيادة تطال مادة البنزين التي تدخل في تركيب أسعار جميع المواد والسلع التي يحتاج إليها الناس كافة، أغنياء وفقراء من دون تمييز؟
وما هي الانعكاسات على واقع الاستقرار الاجتماعي، ألا يسبّب ذلك بازياد الفقر وتفجر الاحتجاجات الاجتماعيات بدلاً من احتوائها؟
وبالتالي ما هي الحلول البديلة التي تحقق المطالب المحقة، من دون ان تنعكس سلباً على الواقعين الاقتصادي والاجتماعي؟
أولاً: من الناحية الاقتصادية، عندما ترفع الحكومة الأجور وتموّلها عبر ضرائب استهلاكية (غير مباشرة)، فهي لا تخلق قيمة مضافة، بل تعيد توزيع الليرة من جيب إلى آخر، وتؤدي الى…
1 ـ تآكل الزيادة: الضريبة على القيمة المضافة (TVA) وزيادة أسعار البنزين ترفع تكلفة المعيشة فوراً. الموظف الذي نال زيادة قد يجد أنّ قدرته الشرائية الفعلية لم تتغيّر، بل انخفضت عما كانت عليه قبل الزيادة، لأنّ التضخم الناتج عن هذه الضرائب يطال الجميع.
2 ـ الإمعان في سياسة انعدام العدالة الضريبية: الضرائب غير المباشرة هي “ضرائب عمياء” لا تميّز بين الغني والفقير، مما يجعل العبء الأكبر يقع على الطبقات الوسطى والمحدودة الدخل والفقيرة التي تنفق معظم دخلها على الاستهلاك.
ثانياً: تؤدي هذه الخطوات إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة والمحلية في آن واحد:
ـ أثر رفع البنزين: البنزين ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل هو عنصر أساسي في كلفة النقل والإنتاج. رفع أسعاره يعني زيادة أسعار الخضار، السلع الغذائية، وتكاليف الانتقال للعمل…
ـ أثر رفع رسوم المستوعبات: رفع الرسوم على المستوعبات (20 و40 قدماً) سينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، مما يزيد من حدة الغلاء في بلد يعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 80% من احتياجاته.
ثالثا: بدلاً من أن تؤدي زيادة الرواتب إلى “احتواء” الغضب، قد تتحوّل إلى فتيل للاحتجاجات لسببين:
السبب الأول: اتساع رقعة المتضرّرين،
الزيادة تشمل القطاع العام، لكن الضرائب والرسوم TVA والبنزين تطال الذين حصلوا على الزيادة، وأيضاً القطاع الخاص والمنضوين تحت خط الفقر والعاطلين عن العمل، مما يزيد من الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
السبب الثاني: الإحباط واليأس،
الشعور بأنّ الدولة “تأخذ باليمين ما أعطته باليسار” يزعزع الثقة المهزوزة أصلاً بين المواطن والسلطة، مما قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي ناتج عن اليأس من الحصول على الحدّ الأدنى من متطلبات العيش.
رابعاً: إذا أرادت الحكومة تحقيق المطالب دون مفاقمة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، يجب عليها الانتقال من “الجباية السهلة” إلى “الإصلاح الهيكلي” الذي يتطلب:
1 ـ تفعيل الجباية في جميع المرافئ العامة، وضبط التهريب، ومكافحة الفساد الذي يحرم الخزينة من مبالغ طائلة.. وفي حال تمّت هذه الإجراءات فإنها ستوفر مبالغ ضخمة للخزينة تغني الحكومة عن فرض ضرائب جديدة.
2 ـ تعديل القوانين الضريبية، بحيث يتمّ اعتماد الضرائب التصاعدية، التي تستهدف المداخيل المرتفعة، والشركات الكبرى، وشاغلي الأملاك البحرية والنهرية الذين يحققون الأرباح العالية، بدلاً من الاستمرار في اعتماد الضرائب غير المباشرة، العمياء.
خلاصة القول: إنّ اللجوء إلى الضرائب غير المباشرة هو الحلّ الأسهل الذي تلجأ اليه الحكومة للهروب من اعتماد الحلول الجدية، ولكنه الأقسى اجتماعياً والأكثر خطورة على الاستقرار الاجتماعي. ولهذا فإنّ الحلّ الحقيقي يكمن في العمل على تعزيز نمو الاقتصاد، وتعديل القانون الضريبي، وتوسيع الوعاء الضريبي عبر ملاحقة المتهربين، لا عبر خنق المستهلك المنهك أصلاً بسبب تراجع قدرته الشرائية بشكل غير مسبوق اثر انفجار الأزمة الاقتصادية والمالية عام 2019…
شاركنا رأيك:
