خاص مركز بيروت للأخبار.
لم ينسدل الفجر اليوم على الضاحية الجنوبية كضوءٍ يتسلّل من بين الأبنية المكلومة؛ كأنني بالولادة الجديدة، تنبثق تشبه تحدّي الحياة للموت، وتشبه قدرة الروح على أن تستردّ نفسها بعد أن حاول العتم أن يبتلعها.
بالأمس، هزّت غارة حارة حريك جدران البيوت، واشتعلت أفئدة المحبين، فتناثر الركام كما تتناثر الحكايات حين تنفجر بها الذاكرة.
ومع ذلك… وما أوجع هذه المع ذلك… عادت الضاحية لتنهض، كأنّها تحفظ سرّ الخلق الأول: أن الحياة تُخلق ثانية كلما ظنّ الموت أنه انتصر.
في الشوارع التي تناثرت فيها حجارة الطرقات، كان المشهد يشبه لوحةً رسمها الألم وخطّها الصبر. وجوه الناس برزت من بين الغبار، كأنها شواهد حيّة على أنّ المدن ليست حجم الخراب بل بحجم من يقفون فوقه. رباتُ البيوت كتمْنَ شهقاتهنّ ومسحن الغبار عن عتبات المنازل، والشبّان حملوا الركام بأيديهم العارية، لا يدرون ما إذا كانوا يرفعون حجارةً أم يرفعون أنفسهم. الأطفال، الذين أرهقتهم المفاجأة، عادوا يركضون خلف الضوء، وكأنهم يبرهنون أن الخوف طارئ وأن الطفولة دائمة.
المنازل التي تكسّرت نوافذها لم تستسلم، بدت وكأنها تميل على بعضها البعض لتتبادل العزاء. جدرانها المهدّمة وقفت كشهود على ليلةٍ حاولت أن تخطف نبض المكان، لكن المكان أصرّ أن يستبقي نبضه. في كل زاوية، ثمّة يدٌ تُنقذ ذكرى، وثمّة صوتٌ يطمئن الآخر أن ما تهدّم سيُبنى، وأن ما انطفأ ستعيده الأرواح قبل الكهرباء.
الطرقات التي غمرها الرماد بالأمس عادت اليوم تستعيد أسماءها. لم يعد الركام تعريفها الوحيد؛ فمع كل خطوةٍ عليها، تلمع إرادة العبور. الناس يمشون عليها بحذر، هنا ليس في الأرض وجع، فمن يمشي فوق الجرح عليه أن يمشي بطمأنينة… الأحياء التي هزّها الانفجار، شهدت صباحاً حركةً أشبه بنهوض جيشٍ من العزم والصبر. كأن الضاحية تقول: ما كان… ما كان؛ فنحن ما زلنا هنا.
هنا، تنبثق الحياة من قلب الموت، وتُكتب فصول الصمود..
الضاحية الجنوبية لا تنتظر أحداً ليقول إنها بخير؛ قالتها بنفسها. قالتها حين لملمت عباءتها من الغبار، وحين رفعت رأسها فوق الركام، وحين قرّرت أن تنهض… لأن النهوض طريقها للبقاء.
