التصعيد في الشرق الأوسط 2026: الضغوط والاتفاقات الجديدة
بقلم: مبارك بيضون
يشهد الشرق الأوسط تصعيداً في ظل مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها التحركات الدبلوماسية مع التصعيد الميداني، وسط مساعٍ دولية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض ترتيبات سياسية وأمنية مستحدثة. وبين ضغوط أمريكية متسارعة وتعقيدات ميدانية، يبقى المشهد مفتوحاً على سيناريوهات متباينة قد تقود إلى تهدئة واسعة أو انفجار أوسع في رقعة التوتر.
واشنطن لازالت تفرض حصاراً بحرياً على إيران في ظل تجاذبات واستهدافات تؤجج الصراع
تشهد المنطقة طوراً دقيقاً تتبلور فيه ملامح صيغة جديدة على المستويين الإقليمي والدولي، تنعكس ارتداداتها على مختلف الدول، بما فيها ما يُعرف بمحور القوى وحلفائه.
هذه التحولات تأتي في ظل تصاعد الاحتكاكات والمواجهات بين أطراف إقليمية، وما رافقها من تهديدات متبادلة، ما أدى إلى ارتفاع منسوب القلق من توسّع دائرة الصراع جغرافياً وعسكرياً.
وفي هذا السياق، تبرز تحركات دبلوماسية ومباحثات تُجرى على أكثر من مستوى، من بينها اتصالات و وفود لبنانية انخرطت في مسارات تفاوضية مع أطراف دولية، وسط ضغوط سياسية متزايدة تهدف إلى بلورة تفاهمات تهدئة أو وقف للأعمال القتالية.
تداخل التصعيد الميداني مع التحركات الدبلوماسية وسط ضغوط دولية متسارعة
محاولات دولية لفرض معادلات أمنية وسياسية جديدة في ساحات التوتر.
محاولات دولية لفرض معادلات أمنية وسياسية جديدة في ساحات التوتر.
وتشير مصادر دبلوماسية غربية تابعت الملف خلال الأيام الأخيرة إلى أن واشنطن تكثف اتصالاتها غير المعلنة مع أطراف إقليمية بهدف منع انزلاق الجبهة اللبنانية إلى مواجهة مفتوحة، في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام أمريكية عن توجه داخل الإدارة الأمريكية يقوم على “احتواء التصعيد بدل إدارته بعد انفجاره“، وهو ما يعكس تحولاً في المقاربة من الردع إلى إدارة التوتر.
واشنطن تتحرك لمنع انفجار الجبهة اللبنانية
كما نقلت تقارير إعلامية عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن الاستقرار في لبنان بات “جزءاً من أمن المنطقة الأوسع“، في إشارة إلى ربط الملف اللبناني بملفات غزة والبحر الأحمر وإيران، وهو ما يعكس تشابك ساحات الصراع بشكل غير مسبوق.
وفي المقابل، تشير تسريبات سياسية إسرائيلية تداولتها وسائل إعلام عبرية هذا الأسبوع إلى وجود تباين داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بين خيار توسيع العمليات العسكرية أو الاكتفاء بضربات محدودة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
كما نُقل عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن “الردع وحده لم يعد كافيا” في مواجهة الساحات الشمالية، في إشارة إلى الجبهة اللبنانية.
موقف لبناني حذر وسط ضغوط دولية متزايدة
أما على المستوى اللبناني، فقد برزت مواقف رسمية تؤكد على أولوية منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، حيث شدد مسؤولون لبنانيون في تصريحات إعلامية حديثة على أن البلاد لا تحتمل حرباً مفتوحة، وأن الاتصالات الدبلوماسية الجاريةتهدف إلى تثبيت الاستقرار ومنع توسع العمليات العسكرية، مع الإشارة إلى أن بيروت تتحرك ضمن هامش ضيق بين الضغوط الدولية والتوازنات الداخلية الحساسة.
كما تشير المعطيات إلى مساعٍ دوليةٍ، تقودها واشنطن، لدفع مسار تفاهمات قد تفضي إلى وقف شامل للعمليات العسكرية في لبنان، غير أن التعقيدات الميدانية والسياسية لا تزال تعرقل التوصل إلى صيغة نهائية، في ظل تمسّك كل طرف بمواقفه وسعيه لفرض شروطه على الأرض.
تفاهمات دولية محتملة رغم التعقيدات الميدانية
وفي هذا الإطار، يلفت مراقبون إلى أن المشهد الحالي يعيد إنتاج نمط “الهدوء القلق” الذي سبق جولات تصعيد سابقة، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع التحركات الدبلوماسية بشكل متزامن، ما يجعل أي تقدير للوضع مرهوناً بتطورات الساعات أكثر من الأيام.
ترامب ونتنياهو بين الدعم والخلاف الاستراتيجي
كما أن العلاقةبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تبدو، بحسب قراءات سياسية متقاطعة، محكومة بتوازن دقيق بين الدعم الاستراتيجي والخلاف على إدارة المواجهة، إذ تسعى واشنطن إلى ضبط إيقاع التصعيد بما يمنع انفلاته، فيما تميل تل أبيب إلى فرض وقائع ميدانية تعزز موقعها التفاوضي لاحقاً وهو ما ما دفع ترامب لرفع نبرته بوجه حليفه نتنياهو.
وللمرة الأولى، تحدث ترامب بشكل غير مباشر مع حزب الله عبر وسطاء موثوقين، وفق ما أشار إليه في تصريحاته، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في توسيع دائرة الاتصالات ومحاولة احتواء التوترات المتصاعدة في المنطقة. إلا أن تشدد نتنياهو وسعيه لإظهار عدم خضوعه لأي ضغوط خارجية يضعان عراقيل أمام هذه المساعي، رغم إدراكه أن الولايات المتحدة تبقى الداعم الأساسي لـ”إسرائيل” والضامن الرئيسي لأي ترتيبات إقليمية أو دولية يجري العمل عليها في الشرق الأوسط.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه مشاريع إعادة رسم التوازنات الإقليمية تحديات كبيرة، بعدما اصطدمت بعوائق ميدانية وسياسية حالت دون تحقيق الأهداف التي سعت إليها بعض الأطراف.
كما أن المواجهات التي شهدها لبنان خلال المرحلة الماضية أظهرت أن فرض وقائع ميدانية جديدة ليس بالأمر الهيّن، وأن محاولات تثبيت معادلات أمنية مختلفة واجهت عقبات حالت دون تحقيق نتائج حاسمة على الأرض.
مفترق طرق حاسم يحدد مستقبل المنطقة
وفي موازاة ذلك، تشهد المنطقة تحركات دبلوماسية ومباحثات تُجرى على أكثر من صعيد، من بينها لقاءات واتصالات تهدف إلى بلورة تفاهمات قد تفضي إلى وقف شامل للأعمال العسكرية وفتح الباب أمام طور جديد من التهدئة.
إلا أن المشهد لا يزال بالغ التعقيد، في ظل استمرار التباينات بين الأطراف المعنية وسعي كل طرف إلى تحسين شروطه السياسية والأمنية قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية.
وفي المحصلة، يبدو أن المنطقة تقف عند مفترق طرق حساس، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والدبلوماسية، فيما تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه الاتصالات والوساطات الجارية خلال الأيام المقبلة، والتي قد تمهد لاتفاقات جديدة وترتيبات أمنية أوسع تنعكس على لبنان والمنطقة بأسرها.