حذّر تقرير صادر عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب من تحول عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى تهديد استراتيجي واضح للأمن ونظام الحكم في الاحتلال، في ظل تصاعد الاعتداءات، وضعف إنفاذ القانون، وغياب الغطاء السياسي لأجهزة الأمن، بالتزامن مع اتساع ارتباط البؤر الاستيطانية بالاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين.

660 اعتداء خلال النصف الأول من 2026

660 اعتداء خلال النصف الأول من 2026
660 اعتداء خلال النصف الأول من 2026

وبحسب معطيات أجهزة أمن الاحتلال التي أوردها التقرير، سُجّل خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 660 اعتداء صنفتها إسرائيل تحت مسمى “جرائم قومية يهودية“، بزيادة بلغت 63% مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025، و50% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.

وأسفرت هذه الاعتداءات عن إصابة 140 فلسطينياً واستشهاد 6 آخرين، بينما يرصد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” نحو ستة اعتداءات يومياً.

ويعكس تصاعد الأرقام، وفق التقرير، اتساع نطاق ظاهرة عنف المستوطنين وتحولها من أحداث متفرقة إلى عامل يؤثر بصورة مباشرة في الوضع الأمني والسياسي في الضفة الغربية المحتلة.

اعتداءات المستوطنين تطال جنود الاحتلال

اعتداءات المستوطنين تطال جنود الاحتلال
اعتداءات المستوطنين تطال جنود الاحتلال

وأشار التقرير إلى ارتفاع الاعتداءات المباشرة على جنود وشرطة الاحتلال من 33 اعتداء خلال النصف الأول من عام 2025 إلى 45 اعتداء في الفترة ذاتها من عام 2026.

وقال ضباط في قيادة المنطقة الوسطى إن ما يصل إلى 80% من البلاغات العملياتية في بعض الألوية باتت مرتبطة باعتداءات المستوطنين، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى إلغاء عمليات اعتقال كانت مقررة بحق فلسطينيين.

وبذلك، لا يقتصر عنف المستوطنين على استهداف الفلسطينيين وممتلكاتهم، بل بات، بحسب التقرير الإسرائيلي نفسه، يستنزف جزءاً كبيراً من الموارد والقدرات الأمنية للاحتلال ويؤثر في أولويات قواته وانتشارها وعملياتها الميدانية.

تهجير فلسطينيين وتوسع البؤر الاستيطانية

تهجير فلسطينيين وتوسع البؤر الاستيطانية
تهجير فلسطينيين وتوسع البؤر الاستيطانية

ووفق التقرير، أسهم الضغط والعنف في تهجير آلاف الفلسطينيين من التجمعات الرعوية والزراعية في مناطق “ج”، بالتزامن مع توسع البؤر والمزارع الاستيطانية.

وفي مؤشر على ضعف إنفاذ القانون، أشار تحليل لمعطيات إنفاذ القانون بين عامي 2005 و2025 إلى إغلاق نحو 94% من ملفات التحقيق في جرائم ذات دوافع أيديولوجية من دون تقديم لوائح اتهام، فيما لم تنتهِ سوى نحو 3% من مجمل الملفات بإدانات.

ويشير التقرير إلى أن هذا الواقع يعزز الشعور بالإفلات من العقاب، ويتيح استمرار الاعتداءات في الوقت الذي تتوسع فيه البؤر الاستيطانية وترتبط بصورة متزايدة بالاستيلاء على الأراضي وتهجير السكان الفلسطينيين.

تحذير من انهيار السلطة الفلسطينية

تحذير من انهيار السلطة الفلسطينية
تحذير من انهيار السلطة الفلسطينية

وحذّر التقرير من أن استمرار العنف يضعف السلطة الفلسطينية ويهدد قدرتها على الحكم وحماية السكان، مشيراً إلى أن الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة أدت إلى دفع ما بين 50% و70% فقط من رواتب موظفيها.

ويرى التقرير أن انهيار السلطة الفلسطينية قد يقود إلى تراجع التنسيق الأمني وعودة مجموعات مسلحة، بما يخلق دائرة من التصعيد والعنف والعمليات العسكرية الأوسع.

وفي هذا السياق، لا يتعامل التقرير مع الظاهرة باعتبارها مشكلة أمنية محلية في الضفة الغربية فحسب، بل يربطها مباشرة باستقرار منظومة الحكم وقدرتها على إدارة الأراضي المحتلة ومنع اتساع دائرة المواجهة.

القدس والأقصى وتداعيات دولية

القدس والأقصى وتداعيات دولية
القدس والأقصى وتداعيات دولية

كما حذّر التقرير من امتداد التوتر إلى القدس والمسجد الأقصى وساحات إقليمية أخرى، ومن تداعيات دولية قد تشمل زيادة الضغوط القانونية والدبلوماسية، واحتمال فرض عقوبات على شخصيات وهيئات في الاحتلال.

وأشار كذلك إلى احتمال تراجع الدعم الدولي للعمليات العسكرية في غزة ولبنان وسورية، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وخلص معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب إلى أن عنف المستوطنين وتراجع إنفاذ القانون يهددان الأمن القومي وسيادة القانون وقدرة الاحتلال على الحكم والعمل، محذراً من أن “الديمقراطيات التي لا تكبح القوى الراديكالية في داخلها لا تصمد”.

توصيات إسرائيلية لمواجهة الظاهرة

وأوصى التقرير بإطلاق حملة منهجية ضد عنف المستوطنين، وإخلاء البؤر الاستيطانية المقامة في مناطق “ب”، وإخضاع كتائب الحماية وفرق التأهب المسلحة لسلطة الجيش.

كما دعا إلى سحب الأسلحة والمركبات والمعدات ممن يثبت استخدامها في الاعتداءات، إلى جانب منع انهيار السلطة الفلسطينية اقتصادياً ومؤسساتياً، والعمل على الحد من تآكل مكانة الاحتلال دولياً.

ويعكس التقرير، في خلاصته، قلقاً إسرائيلياً متزايداً من أن يتحول عنف المستوطنين في الضفة الغربية من ظاهرة مرتبطة بمجموعات متطرفة إلى عامل استراتيجي يضغط على المؤسسة الأمنية، ويضعف منظومة الحكم، ويزيد احتمالات التصعيد الداخلي والإقليمي والدولي.

شاركها.