د. علي رباح / كاتب وباحث سياسي / لبنان
لن ادخل في جدلية من يتبع من، الاميركي يتبع الاسرائيلي او اسرائيل هراوة الاميركي، ولكن استطيع القول ان هذين الكيانين، يعبران عن مضمون ابليسي واحد، متفقين على تدمير كل من يُشكل خطراً عليهما، وان الثاني يعمل على تدمير واحتلال كل دول المنطقة، بالمباشر عبر مستوطناته وعسكره، او بغير المباشر عبر ايصال مدراء محليين تابعين له الى اركان السلطات، على اختلاف مسمياتها، وتكون في خدمته وفق اي نموذج، حتى لو اضطر ان ينمذج حالة دينية معينة، اسلامية وغيرها، كالوهابية، التي تعمل على تقديم نفسها، ممثلاً حصرياً للاسلام، وهي بجوهرها اداة للامبريالية والصهيونية، ومن وظائفها تقديم صورة سيئة عن هذا الدين، امام المجتمعات الغربية، وتفريغ الاسلام من مضمونه في المجتمعات الاسلامية.
ولكي يستتب الامر لهذا الكيان في المنطقة، ويستطيع السيطرة عليها، كان لا بد من ايجاد شروخات تحت اي عنوان، وتوسعة الموجود منها عبر خلق حالات تطرف عند الجهات المتعددة، فعند السنة، يُعمل على تغذية اي تطرف، وتشكيل مجموعات ومرتزقات تحمل شعارات الغائية لمن هم غيرها، وعند الشيعة ايضاً، وعند المسيحيين، على اختلاف مذاهبهم، وينسحب الامر على كل العناوين “دينية، طائفية، اثنية وقومية، سياسية .. ” اي عنوان، المهم الاختلاف والتناحر حد الاقتتال، لتبقى اسرائيل الاقوى، وتحقق للاستعمار الاجندة الطويلة.
من هنا انطلق، ومن مقال ورد في صحيفة وورلد ستريت جورنال، منذ يومين، هذا المقال الملفت، الذي يدرس تنامي شعبية حزب الله في الشارع اللبناني عموماً والسني خصوصاً ، بفعل مواقف الحزب المؤيدة للمقاومة في غزة، وانخراطه في الحرب الى جانبها. هذه الدراسة ارعبت الاسرائيلي، وهي تناولت بعض التفاصيل الدقيقة، حتى وصلت الى تغير مزاج احد الاشخاص من الطائفة السنية، واسمه احمد بحر، وكيف تحول من حاقد على الحزب قبل حرب غزة، الى رافع لرايته بعد ان رأى كل هذه التضحيات والشهداء التي يتكبدها الحزب كرمى فلسطين، في ظل خيانة عربية غير مسبوقة ومستهجنة.
ومن خلال التمعن جيداً في المقال نستطيع أن نستخلص ما مفاده، أن قصد الصحيفة في تنامي شعبية حزب الله في لبنان، يمتد الى كل الاقطار العربية والاسلامية، وان هذه الشعبية بدأت تتعافى وترجع الى سابق عهدها عشية انتصار تموز، وان الحزب بدأ باستعادة حضوره، الذي تعرض للاهتزاز بفعل الحرب السورية المفروضة، والتي هدفت اساساً، لفك المقاومة عن المحيط العربي والاسلامي، عبر ايجاد خطاب متطرف في اطياف الطوائف والمذاهب المغايرة، يتلخص في اعتبار العدو “الشيعة فقط”، واللعب على وتر الاختلافات بينهم وباقي الاديان والطوائف، عله يفرمل الى حد ما الاندفاعة العربية والاسلامية باتجاه التوحد والالتفاف حول قضية فلسطين وغزة، وعليه فهو عمل على:
- قصف، أو زرع عبوة في ملعب مجدل شمس المحتلة، ليقتل من الطائفة الدرزية، التي لها امتداد في لبنان، وفي السويداء السورية، ليوجد حالة من الحقد على المقاومة في لبنان، بعد اتهامها بقصف الملعب، فيستفيد من الغضب الدرزي ليجعلهم رأس حربة المواجهة مع الحزب، ويجند الامتداد الدرزي في مشاريعه، إنطلاقاً من فكرة ان الحزب عدواً للطائفة. فبعد أن قدر الاسرائيلي على استمالة الشيخ موفق طريف، والتحالف معه، واقحمه في العديد من مناسباته السياسية، كعيد “الاستقلال” المزعوم، وبعد عدم استطاعة الشيخ والاسرائيلي، ورغم محاولاتهم اليائسة، تغيير المزاج العام لأبناء مجدل شمس، وموقفهم من العدو الاسرائيلي، كانت الفكرة بتنفيذ تفجير في البلدة، يُتهم حزب الله به، فيضمن الاسرائيلي ولاء البلدة خصوصاً بعد تنطحه للأخذ بالثأر، ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي سفن طريف ونتنياهو، وأُحبط المشروع بفعل تعقل العقلاء، واصالة الانتماء عند الكثيرين.
- إعادة إحياء التفجيرات والعمليات المسلحة التي تقوم بها داعش “السنية!!”، ضد الشيعة، لاستنفار العصب المذهبي، واستقطاب افعال وردود افعال، تخفف من حالة التأييد لحزب الله الشيعي، وتنامي شعبية الشيعة المنضوين في نصرة اخوتهم السنة، في معركة القضية المشتركة والمصير المشترك. وبعد كل حادث نرى الاف الحسابات، سنية وشيعية (التابعة للوحدة 8200 الصهيوينة)، يتقاذفون التهم، والشتائم واللعن، في مشهد مسرحي من اخراج المخابرات الصهيوينة. والنتيجة؟ ايضاً صفر، فمن الطاف غزة، أنها عملت على كي عمق الوعي العربي والاسلامي، وفتحت عيون الكثيرين، بمعزل عن مواقفهم وافعالهم، على قضية داعش ذات الابعاد المخابراتية، حيث للموساد النصيب الاوفر منها. فلم ير احدٌ اي موقف داعشي مشرف ينصر غزة، بل افعال مخزية وقتل ابرياء من اطفال ونساء ورجال، فقط لأنهم شيعة.
- اغتيال القائد المجاهد اسماعيل هنية في ايران، علماً أنه كان باستطاعة الكيان اغتياله في قطر، وهو اسهل عليه، ولكن كان القرار لاستدراج ايران الى المواجهة المباشرة من جهة، ولنشر دعايات زائفة، بأن ايران لم تحمِ القائد الحاج اسماعيل، وانها متهاونة في التأمين على حياته. وهذا سيستنفر العصب السني باعتقادهم، ولكنني اعتقد أن ايران احبطت هذا الشق، من خلال قرار الولي الفقيه، بوجوب الرد على الاعتداء، والثأر لدم الضيف العزيز، مهما كلف الامر، وهذه رسالة من اجمل الرسائل للإخوة السنة، مفادها، دمنا دمكم، وأنفسنا انفسكم، والحاج اسماعيل عزيزنا، ومن قتله سيُلاقي الرد المناسب.
المرحلة المقبلة خطيرة جداً، وتتطلب عمقاً في الوعي، والكثير من التروي، لاستيعاب ما يحصل، فالمحور في وضعٍ لا يُحسد عليه، وهو يواجه اعتى الة قتل عالمية في التاريخ، ويدفع ضرائباً باهظة، ستُثمر انتصارات عظيمة، ولو بعد حين، وفلسطين تحتاج الى التوحد والتضافر والتكامل، وأن اي فتنة وتنازع بين الاطياف المكونة لهذه الامة، سيخدم الاسرائيلي ويُطيل عمره، وإن انكسرت الامة في معركتها الان، فلا اعتقد أن قبل عشرات او مئات السنين قد تستعيد الفرصة السانحة اليوم .. والسلام