دعا الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، إلى إطلاق حوار داخلي في لبنان يستند إلى مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، معتبرا أن التواصل مع حزب الله يشكّل السبيل الوحيد لمعالجة ملف السلاح بعيدًا عن التصعيد والمواجهات الداخلية. وحذّر في المقابل من تفاقم الأزمات في لبنان والمنطقة، في ظل تراجع النفوذ الأميركي واستمرار السياسة الإسرائيلية القائمة على استخدام القوة وتوسيع مناطق النفوذ.
وفي مقابلة عُرضت على قناة «سكاي نيوز عربية» وموقع صحيفة «ذا ناشيونال»، رأى جنبلاط أن الانسحاب الأميركي من المنطقة يتيح لإسرائيل توسيع حضورها ونفوذها، قائلًا إن «الإسرائيليين يملأون الفراغ الذي خلفه الأميركيون». واستبعد أن تؤدي الانتخابات الإسرائيلية أو الانتخابات النصفية الأميركية إلى تغيير جوهري في الواقع السياسي والأمني القائم.
وليد جنبلاط: إسرائيل تملأ الفراغ الأميركي وتوسّع نفوذها
اعتبر جنبلاط أن الولايات المتحدة تتراجع عن حضورها في المنطقة، فيما تستفيد إسرائيل من هذا التحول لتعزيز نفوذها وفرض وقائع جديدة في أكثر من ساحة. ورأى أن السياسة الإسرائيلية لن تتغير تبعا لنتائج الانتخابات، سواء داخل إسرائيل أو في الولايات المتحدة، ما يجعل التحديات الإقليمية مفتوحة على مزيد من التصعيد.
وفي ما يتعلق بلبنان، أشار إلى أن حزب الله «ما زال موجودا»، رغم احتمال تراجع قوته بعد الحروب الأخيرة، معتبرًا أن المسار الذي اختاره لبنان للتعامل مع ملف السلاح لن يفضي إلى النتائج المرجوة.
ولفت إلى أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، التي تُجرى بقيادة أميركية، شهدت سبع جولات من دون التوصل إلى قرار حاسم، في وقت لا تزال إسرائيل تحتل أجزاء من الجنوب اللبناني.
وعن أداء الحكومة اللبنانية، قال جنبلاط إنها «حاولت»، رافضا وصف تجربتها بالفشل، لكنه اعتبر أن الرهان على قدرة الولايات المتحدة على ممارسة ضغوط كافية على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب يمثل «وهمًا كاملًا».
كما أعرب عن اعتقاده بأن الوجود الإسرائيلي قد يستمر لعقود، محذرا من محاولات لمحو ذكريات الجنوب وهويته، في ظل ما وصفه بمخاوف من التحضير لإقامة مستوطنات أو مستعمرات في جزء من المنطقة.
حصرية السلاح بيد الدولة والحوار مع حزب الله
في الشأن الداخلي، شدد جنبلاط على أن معالجة ملف السلاح تتطلب حوارا جديا بين اللبنانيين، ينطلق من مبدأ أن الدولة وحدها مخوّلة الاحتفاظ بالسلاح.
ورأى أنه يمكن البحث في صيغة لنزع سلاح حزب الله تستند إلى تجربة بريطانيا وإيرلندا، لكنه أشار إلى أن نجاح مثل هذا المسار يحتاج، وفق تقديره، إلى دعم إيران وإسرائيل، بما يساعد على تهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى تسوية.
ورفض جنبلاط الدعوات إلى التشدد في التعامل مع الحزب، محذرا من أن اعتماد سياسة المواجهة قد يقود إلى حرب أهلية. وقال متسائلاً: «أتشدّد؟ لكي يؤدي التشدد إلى حرب أهلية، كما يريد بعض الدبلوماسيين أو بعض الأطراف المحلية هنا؟ لا أستطيع أن أقبل بذلك».
وحذّر كذلك من تكرار تجارب سابقة استُخدم فيها الجيش في مواجهة جزء من الشعب، وانتهت بانقسام المؤسسة العسكرية، معتبرًا أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يتطلب تجنب الخيارات التي قد تعيد لبنان إلى دائرة الصدامات.
وفي هذا السياق، أكد وليد جنبلاط أن الحوار يمثل المدخل الأساسي لمعالجة الخلافات، مشدداً على ضرورة التواصل مع حزب الله، ومع الإيرانيين عند الحاجة، وكذلك مع الأطراف اللبنانية التي لا تزال مترددة في الحوار معه.
واعتبر أن القرار الفعلي للحزب لم يعد يُتخذ في لبنان وحده، بل بات مرتبطاً بطهران، داعياً إلى فتح قنوات حوار مع الإيرانيين في محاولة للتأثير في مسار الأحداث والحد من احتمالات التصعيد.
جنبلاط يحذّر من التصعيد الإسرائيلي في لبنان وسورية
إقليميا، انتقد جنبلاط مسار بعض دروز سورية، معتبرا أنهم «يسلكون الطريق الخطأ في التاريخ»، ومحذراً من تحولهم إلى أداة بيد إسرائيل في ظل التطورات السياسية والأمنية المتسارعة.
وفي المقابل، رأى أن الرئيس السوري أحمد الشرع يحاول بناء جيش جديد، لكنه اعتبر أن إسرائيل لن تسمح له، وفق تقديره، بامتلاك جيش حديث، في إشارة إلى التحديات التي تواجه سورية في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية.
وعلى مستوى الصراع الإقليمي، اتهم جنبلاط السياسة الإسرائيلية بالسعي إلى محو الهوية الوطنية الفلسطينية، بالتوازي مع توسيع النفوذ الإسرائيلي في سورية ولبنان.
كما رد على سؤال بشأن احتمال استئناف القصف الإسرائيلي على لبنان، أن يحدث ذلك «للأسف»، في تحذير يعكس مخاوفه من استمرار المواجهة وتراجع فرص تثبيت الاستقرار.
الحوار مخرج لبنان من الأزمات المقبلة
في قراءته لمستقبل لبنان، عاد جنبلاط إلى التأكيد أن الحوار بين اللبنانيين لا يمكن تجاوزه، رغم ما وصفه بالاحتمالات «المروعة» التي قد تواجه البلاد والمنطقة خلال المرحلة المقبلة.
ورأى أن معالجة الخلافات الداخلية تتطلب التواصل مع حزب الله والأطراف السياسية المختلفة، إلى جانب فتح قنوات اتصال مع إيران عندما تقتضي الضرورة ذلك، في محاولة لتخفيف التوتر ومنع انزلاق لبنان إلى مواجهة داخلية جديدة.
وتعكس مواقف جنبلاط تمسكاً بخيار الحوار باعتباره وسيلة لمعالجة ملف السلاح، بالتوازي مع التحذير من مخاطر الرهان على الضغوط الأميركية لإحداث تغيير في السلوك الإسرائيلي.
وخلص إلى أن أزمات المنطقة لن تنتهي ما دامت إسرائيل، وفق تعبيره، تشعر بأنها قادرة على فعل ما تشاء واستخدام القوة في أي مكان، معتبرًا أن تراجع النفوذ الأميركي يفتح المجال أمام مزيد من التوسع الإسرائيلي في مناطق النفوذ الإقليمي.
وبين تعقيدات ملف السلاح في لبنان، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتراجع فرص التأثير الخارجي، يضع جنبلاط الحوار الداخلي أمام اختبار صعب، يتمثل في إمكانية التوصل إلى تفاهم يحفظ استقرار لبنان ويحول دون انزلاقه إلى مواجهات جديدة.
