واشنطن بوست: لماذا تفشل استراتيجية الضغط الأمريكية في إجبار إيران على التراجع؟
يناقش مقال مشترك في صحيفة «واشنطن بوست» أسباب تعثر استراتيجية الضغط الأمريكي على إيران في دفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية أو استراتيجية، رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد العقوبات والتهديدات العسكرية. ويرى الكاتبان ريويل مارك غيرشت وري تاكيه أن القيادة الإيرانية تراهن على حرب استنزاف طويلة الأمد، وتوسيع نفوذها الإقليمي، والحفاظ على طموحاتها النووية، في وقت تواجه فيه تحديات اقتصادية وشعبية داخلية متزايدة.
الضغط الأمريكي على إيران.. استراتيجية استنزاف طويلة الأمد
الضغط الأمريكي على إيران.. استراتيجية استنزاف طويلة الأمد
نشرت صحيفة «واشنطن بوست» مقالاً مشتركاً للباحث المقيم في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ريويل مارك غيرشت، والباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية ري تاكيه، بعنوان: «لماذا تفشل استراتيجية الضغط في إجبار إيران على التراجع؟».
ويركز المقال على أن تدهور الاقتصاد الإيراني وتصاعد الضغوط الأمريكية لم يدفعا طهران، وفق قراءة الكاتبين، إلى إظهار استعداد واضح لتقديم تنازلات استراتيجية أو التوجه نحو تسوية سريعة.
ويشير الكاتبان إلى أن الضغط الأمريكي على إيران لم يحقق، بحسب تقديرهما، هدف تغيير المسار الاستراتيجي للقيادة الإيرانية، التي تتعامل مع المواجهة باعتبارها صراع استنزاف طويل الأمد، لا أزمة يمكن إنهاؤها بمجرد تصاعد العقوبات أو التهديد باستخدام القوة العسكرية.
وبحسب المقال، تراهن طهران على استنزاف خصومها وتوسيع نفوذها الإقليمي، بدلاً من الاستسلام للضغوط الاقتصادية والعسكرية، مع محاولة الحفاظ على أدوات الردع التي تعتبرها ضرورية لأمن النظام وموقعه الإقليمي.
أهداف إيران في الخليج والملاحة البحرية
أهداف إيران في الخليج والملاحة البحرية
بحسب الكاتبين، يسعى رجال الدين الحاكمون وقادة الحرس الثوري الإيراني إلى فرض ترتيبات جديدة في منطقة الخليج، تقوم على تعزيز نفوذ طهران وتقليص هامش الحركة أمام الولايات المتحدة وحلفائها.
ويحدد المقال ثلاثة أهداف رئيسية لهذه الاستراتيجية:
التأثير في الملاحة عبر مضيق هرمز: إخضاع حركة السفن لنفوذ إيراني أكبر، وصولاً إلى طرح فرض رسوم على السفن العابرة، وفق ما يورده الكاتبان.
إعادة تشكيل العلاقات الأمنية في الخليج: السعي إلى إضعاف الشراكات الأمنية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والدول العربية في المنطقة.
تعزيز الردع العسكري: تطوير قدرات تهدف إلى منع واشنطن وإسرائيل من شن هجمات جديدة، مع استخدام التهديدات المرتبطة بإمدادات الطاقة الخليجية أداة ضغط استراتيجية.
ويرى الكاتبان أن هذه الأهداف تساعد في تفسير استمرار طهران في نهجها، رغم الضغوط الاقتصادية، إذ تعتبر القيادة الإيرانية أن التراجع في الملفات الأساسية قد يضعف قدرتها على الردع ويقلص نفوذها الإقليمي.
الطموحات النووية والحلفاء الإقليميون
الطموحات النووية والحلفاء الإقليميون
يشدد الكاتبان على أن طهران لم تتخلَّ، وفق تقديرهما، عن طموحاتها النووية أو عن علاقاتها بحلفائها الإقليميين، معتبرين أن هذه الملفات تشكل جزءاً أساسياً من أدوات النفوذ والردع التي تعتمد عليها الجمهورية الإسلامية.
وفي هذا السياق، يشيران إلى تقرير صادر عن معهد العلوم والأمن الدولي رصد نشاطاً في مواقع إيرانية سبق أن تعرضت للقصف. وتُظهر تقارير المعهد المنشورة خلال عام 2026 أعمالاً وأنشطة متفاوتة في عدد من المواقع المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، مع تأكيد أن الصور المتاحة لا تكفي وحدها دائماً لتحديد طبيعة النشاط وأهدافه.
وعلى المستوى الإقليمي، يبرز الكاتبان دور جماعة أنصار الله في اليمن بوصفها إحدى أدوات النفوذ التي تستفيد منها طهران، وفق قراءتهما. ويشيران إلى استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في تهديد الملاحة وإمدادات الطاقة والمدن السعودية، وهي ملفات تزيد من تعقيد الحسابات الأمنية في الخليج.
ويرى الكاتبان أن استمرار هذه الأدوات يمنح إيران أوراق ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، ويجعل التوصل إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً من مجرد فرض عقوبات اقتصادية أو التلويح بعمل عسكري.
أزمة اقتصادية خانقة وتحديات داخلية متزايدة
أزمة اقتصادية خانقة وتحديات داخلية متزايدة
على الصعيد الداخلي، يرسم المقال صورة قاتمة للاقتصاد الإيراني، مستنداً إلى بيانات حكومية واستطلاع رأي أوردهما الكاتبان.
وبحسب الأرقام الواردة في المقال:
انكماش اقتصادي: تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10% على أساس سنوي خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى يونيو/حزيران.
تضخم مرتفع: تراوح معدل التضخم بين 70% و80%، وفق البيانات التي استند إليها الكاتبان.
تراجع التأييد الشعبي: أظهر استطلاع أجراه مركز قريب من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن 9% فقط من الإيرانيين يؤيدون استمرار الوضع القائم في البلاد.
وتشير هذه المؤشرات، إذا ما تأكدت وفق مصادرها الأصلية والفترة الزمنية التي تغطيها، إلى حجم الضغوط المعيشية والسياسية التي تواجهها إيران. لكن الكاتبين يحذّران من افتراض أن تدهور الاقتصاد سيؤدي تلقائياً إلى تغيير سلوك القيادة أو قبولها بتسوية سياسية.
فبحسب تحليلهما، قد تدفع الضغوط السلطات الإيرانية إلى إبداء مرونة محدودة في بعض القضايا الاجتماعية، بما في ذلك تخفيف تطبيق قواعد الحجاب، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية تحسباً لاندلاع احتجاجات جديدة.
ويخلص المقال إلى أن التحدي الذي تواجهه القيادة الإيرانية لا يقتصر على الضغط الأمريكي على إيران، بل يشمل أيضاً المشكلات الاقتصادية وتراجع الثقة الشعبية ومخاطر الاضطراب الداخلي.
هل تستطيع واشنطن تغيير حسابات طهران؟
هل تستطيع واشنطن تغيير حسابات طهران؟
يرى غيرشت وتاكيه أن اعتماد إيران على الصواريخ والطائرات المسيّرة والحلفاء الإقليميين والبرنامج النووي يمثل، في جانب منه، محاولة للحفاظ على النفوذ والردع في ظل الضغوط الداخلية والخارجية.
وبحسب هذه القراءة، لا يعني استمرار النظام في المواجهة أنه تجاوز أزماته، كما لا يعني تدهور الاقتصاد أن تغيير سياسته بات أمراً حتمياً. فقد تتمكن القيادة الإيرانية من التكيف مع الضغوط لفترة، مع استمرار التحديات المرتبطة بالمعيشة والشرعية السياسية والأمن الإقليمي.
وتبقى المسألة الأساسية التي يطرحها المقال هي مدى قدرة العقوبات والتهديدات العسكرية على دفع طهران إلى تغيير حساباتها، في مقابل استعدادها لتحمل كلفة طويلة الأمد أملاً في الحفاظ على أوراق قوتها.
وبذلك، يسلط المقال الضوء على فجوة بين أهداف سياسة الضغط الأمريكية والنتائج التي يمكن أن تحققها عملياً، مع بقاء مسار المواجهة مرتبطاً بتوازنات الردع، والظروف الداخلية الإيرانية، وفرص التوصل إلى تفاهمات سياسية.