لم تعد أحلام الدراسة تودي إلى أعلى المراتب، ولم تعد تقتصر على كونها أحلاماً في بلدٍ يعثو به الخارج والداخل، والأحلام فيه تمسي على حال وتصبح على آخر، وازدواجيته تخوّلها أن تكون لهذا حلماً ولذاك كابوساً.
لا يخفى على أحد التخبط الذي يعيشه أهالي الجنوب عامة، ومن دُمّرت بيوتهم أو أُقصوا عن قراهم خاصة. وما بين البحث عن وسيلة للنجاة ومجابهة الحياة، تتوالد الصعاب، وتبدأ معركة جديدة عنوانها محاولة تخطيها.
هنا، في إحدى مدارس صور التي خُصّصت لاستقبال النازحين خلال فترة الحرب، وكانت الملجأ الآمن من كل ما يجري، تتحطم جدران الأمان على أهلها مع الاستعداد لاستقبال عام دراسي جديد.
الأهالي هنا يرفضون النزوح مجدداً
الأهالي هنا يرفضون النزوح مجدداً
الأهالي هنا يرفضون النزوح مجدداً.
فالخروج من المدرسة لا يعني العودة إلى المنزل، بل التوجه إلى جهة مجهولة، ومحطة أخرى تُضاف إلى سجل نزوحهم.
ومع تأكيد مديري المدارس وجود خطة بديلة تقضي بإخلاء المدارس التي يتواجد فيها النازحون ونقلهم إلى مراكز إيواء جديدة، فإن التخبط وكثرة الترحال حالا دون رغبتهم في خوض معركة تأقلم جديدة، والبدء من الصفر مرة أخرى.
وما باليد حيلة.
فلا مال، ولا منازل.
معظم النازحين أتوا من قرى احتُلت أو لا تزال عرضة للعبث والدمار، كالناقورة والبياضة ومجدل زون والمنصوري وميس الجبل وغيرها، أو أن بيوتهم قد هُشّمت بالكامل، فلا إيواء من الدولة اللبنانية، ولا مساعدات خارجية حتى اللحظة قادرة على حمل ولو جزء صغير من العبء الذي يثقل كاهلهم.
بالنسبة إلى هؤلاء، لم تكن المدرسة مجرد سقف يحميهم، بل مساحة مؤقتة حاولوا فيها أن يستعيدوا شيئًا من حياتهم بعدما فقدوا المكان الذي ينتمون إليه.
لكن حتى هذا المكان له موعد انتهاء.
ومع اقتراب 15 أيلول، موعد انطلاق العام الدراسي، تتقاطع حكايتان يفترض ألا تتعارضا؛ أطفال يستعدون للعودة إلى مقاعدهم، وعائلات تستعد لمغادرة المكان الذي احتمت فيه لأشهر.
مدرسة مدمرة… ومدرسة تؤوي النازحين
مدرسة مدمرة… ومدرسة تؤوي النازحين
المشهد لا يتوقف عند المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء.
فأزمة التعليم نفسها لم تسلم من الحرب.
أظهر تقييم وطني أجرته وزارة التربية في حزيران، بدعم تقني من اليونيسف، تضرر 340 مدرسة في لبنان، بينها 17 مدرسة دُمرت بالكامل. وحذرت اليونيسف من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل قد يواجهون خطر عدم العودة إلى مقاعد الدراسة إذا لم تُنجز أعمال الإصلاح والتأهيل.
وتعرضت 50 مدرسة رسمية أخرى للدمار أو لأضرار جسيمة، فيما أصيبت أكثر من 200 مدرسة بأضرار طفيفة أو متوسطة.
أي أن المشكلة مزدوجة.
مدارس لم تعد صالحة لاستقبال الطلاب.
ومدارس أخرى صالحة، لكنها تستقبل أشخاصًا لا يملكون مكانًا آخر.
وبين الاثنين، يقف الطالب نفسه أمام عام دراسي جديد مثقل بما سبقه.
عام دراسي لا يشبه ما قبله
عام دراسي لا يشبه ما قبله
في أحد مراكز الإيواء في صور، لا يحتاج الأطفال إلى الكثير ليعودوا إلى أجواء المدرسة؛ ورقة وقلم ومساحة صغيرة للعب قد تكون كافية للحظة.
لكن العودة إلى التعليم المنتظم أكثر تعقيدًا.
فأكثر من 10 آلاف طفل نازح في محافظتي الجنوب والنبطية أُحيلوا وسُجّلوا في مدارس رسمية وخاصة قريبة من أماكن إقامتهم، فيما يحصل مئات الأطفال على دعم للنقل لمساعدتهم على الالتحاق بالمدارس والاستمرار فيها.
وفي مراكز الإيواء الأربعة في صور، يتابع 184 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 3 و14 عامًا تعليمهم، بينما أُحيل 70 طفلًا آخرين إلى مدارس قريبة بعد إعادة تقييم أوضاع مراكز الإيواء القائمة والجديدة في صور وساحل الزهراني.
لكن الأرقام لا تخفي المشكلة.
فبعض الأطفال لم يخسروا منزلهم فقط، بل خسروا سنوات دراسية متتالية.
طفل في الثامنة لا يسأل عن خطط الاستجابة الإنسانية.
يسأل عن حقيبته.
وعن مقعده.
وعن المكان الذي سيذهب إليه صباحًا.
لكن ماذا بعد المدرسة؟
لكن ماذا بعد المدرسة؟
السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس فقط كيف ستفتح المدارس أبوابها في 15 أيلول.
بل ماذا سيحدث للعائلات التي كانت أبواب المدارس قد فُتحت لها حين أُغلقت في وجهها أبواب أخرى؟
إذا كانت العائلة قد خسرت منزلها، أو كانت قريتها لا تزال غير آمنة، فإن إخلاء المدرسة لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى مكان آخر.
وهذا ما يجعل قضية المدارس جزءاً من أزمة أكبر؛ أزمة سكن وعودة وقرى حدودية، وأسر لا تملك القدرة على استئجار منزل جديد، ولا تعرف إلى متى يمكنها البقاء حيث وصلت.
المساعدات موجودة، لكنها لا تعني انتهاء الحاجة.
فالاحتياجات الأساسية للعائلات النازحة في الجنوب كثيرة؛ من المواد غير الغذائية ومواد النظافة، إلى المساعدات النقدية والغذاء والمياه والحفاضات والأدوية.
لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الأكبر: متى يصبح بإمكان هؤلاء العودة؟
فالجنوب الذي لا يستطيع الجميع العودة إليه، في المنصوري ومجدل زون ومناطق أخرى، لا تزال آثار الحرب حاضرة فيه؛ في البيوت، والطرقات، وفي حياة الناس التي علّقت بين مكان غادروه ومكان لا يعرفون إن كان سيصبح بيتهم.
كيف يعود الجنوب إلى الحياة… فيما القصف لا يزال مستمراً؟
وبعيدًا عن كل ذلك، نأتي إلى السؤال التالي: كيف يمكن الحديث عن العودة إلى الحياة في الجنوب، فيما القصف لا يزال مستمرًا؟
ففي الوقت الذي تستعد فيه المدارس لفتح أبوابها، لا يزال المشهد الأمني يفرض نفسه على الأهالي.
في كفررمان، ارتقى الطفل أحمد فرحات إلى جانب والدته هبة فرحات، فيما سبقتهم أسماء أخرى، ولا يزال القصف حاضرًا في يوميات الجنوب، في مشهد يناقض الهدنة التي يفترض أن تكون طريقًا إلى الاستقرار.
فكيف يمكن الحديث عن عودة طبيعية، فيما الأمان نفسه لا يزال سؤالًا مفتوحًا؟
العودة ليست مفتاحاً يُدار في باب المنزل
العودة ليست مفتاحاً يُدار في باب المنزل
العودة ليست مفتاحًا يُدار في باب المنزل.
هي منزل قابل للسكن، وقرية يمكن العيش فيها، وطريق آمن، ومدرسة يستطيع الطفل أن يصل إليها صباحًا من دون أن تتحول حقيبته إلى شيء آخر غير حقيبة مدرسة.
وهنا، ربما، تكمن المفارقة الأكبر.
في 15 أيلول، سيحمل الأطفال حقائبهم المدرسية، ويمضون بها نحو مقاعدهم، حاملين دفاترهم وكتبهم وأحلام عام جديد.
أما النازحون، فسيحملون حقائب صغيرة، لم تعد تتسع للكثير… سوى لما تبقى لهم من أغراض، ولآلامٍ حملوها معهم من قرية إلى أخرى.
حقائب مختلفة، لكن الطريق واحد.
كلاهما يغادر.
غير أن الطفل يغادر نحو مدرسة يفترض أن تقوده إلى مستقبله، فيما النازح يغادر بحثًا عن مكان يستطيع أن يسمّيه مؤقتًا بيتًا.
أجراس المدارس ستقرع.
سيبدأ عام دراسي جديد.
لكن بالنسبة إلى كثير من العائلات، سيبقى عام الحياة الطبيعية معلّقًا إلى حين.
ويبقى السؤال:
حين تُفتح أبواب المدارس أمام الأطفال… أي باب سيُفتح أمام النازحين؟