هزة شرق القاهرة تفتح باب التساؤلات: زلزال طبيعي أم نشاط بشري؟

ربما كانت الهزة البسيطة التي شعر بها سكان شرق القاهرة مساء الأربعاء الماضي ستمر من دون اهتمام، لولا أنها جاءت بعد أيام من زلزال محسوس مصدره منطقة البحيرات المرة في السويس. ومع ازدياد حساسية السكان تجاه أي اهتزاز بعد وقوع زلزال، عادت التساؤلات حول طبيعة هذه الهزات ومصادرها.

الهزات البسيطة
هزة شرق القاهرة تفتح باب التساؤلات

وبلغت قوة الهزة التي شعر بها سكان شرق القاهرة 1.9 درجة على مقياس ريختر، وهي قوة ضعيفة جداً، إلا أن وقوعها في منطقة تشهد توسعاً عمرانياً واسعاً، خصوصاً في القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب قربها من محاجر تستخدم المتفجرات لاستخراج المواد الخام، جعلها محط اهتمام.

وتشير دراسات علمية إلى أن بعض الاهتزازات التي يشعر بها السكان لا تكون ناجمة عن زلزال تكتوني، وإنما عن أنشطة بشرية، مثل أعمال البناء وغرس الخوازيق أو تفجير المحاجر.

لماذا نشعر بالهزات بعد الزلازل؟

يصبح الإنسان أكثر انتباهاً للأصوات والاهتزازات المفاجئة بعد تعرضه لزلزال محسوس، وفق دراسة يابانية تناولت استجابة الأشخاص للأصوات المفاجئة بعد زلزال شرق اليابان الكبير عام 2011.

ولهذا، قد تمر هزة ضعيفة جداً من دون ملاحظة في الظروف العادية، لكنها تصبح أكثر وضوحاً بالنسبة إلى السكان بعد تجربة زلزال سابق.

وتستقبل مراكز رصد الزلازل عادةً بلاغات عديدة بعد الهزات الكبرى، وقد يتبين لاحقاً أن بعضها ناتج عن نشاط بشري وليس عن حركة جيولوجية طبيعية.

الاهتزازات الناتجة عن أعمال البناء

يفرق العلماء بين الاهتزاز الميكانيكي الناتج عن النشاط البشري وبين الزلزال الحقيقي.

فعند غرس الخوازيق في مواقع البناء، تؤدي الضربات الميكانيكية إلى انتقال الطاقة عبر التربة والصخور على شكل موجات مختلفة، بينها موجات الضغط والقص والموجات السطحية.

وتنتشر هذه الطاقة بعيداً عن موقع العمل، وتتناقص شدتها مع المسافة، لكنها قد تصل إلى أساسات المباني القريبة وتجعل السكان يشعرون باهتزاز واضح.

وتشبه هذه العملية، من حيث المبدأ، انتشار الموجات بعد سقوط حجر على سطح الماء، لكن انتقال الطاقة داخل الأرض أكثر تعقيداً بسبب اختلاف طبقات التربة والصخور وخصائصها.

تفجيرات المحاجر

تنتج تفجيرات المحاجر اهتزازات أقوى عادةً، إذ تتحرر كمية كبيرة من الطاقة خلال فترة زمنية قصيرة، ينتقل جزء منها إلى الصخور المحيطة على شكل موجات اهتزازية.

ولا تنتقل كل الطاقة إلى الأرض، إذ يتحول جزء منها إلى موجة ضغط في الهواء.

وقد تكون الإشارات الناتجة عن التفجيرات قوية بما يكفي لتسجيلها أجهزة الرصد الزلزالي، ما يجعل تحديد مصدرها يحتاج إلى تحليل علمي دقيق.

وسجلت دول عدة حالات لهزات ظُن في البداية أنها زلازل، قبل أن يتبين أنها ناجمة عن تفجيرات في محاجر، بينها حادثة في منطقة شيكاغو عام 2013 وأخرى في أونتاريو الكندية عام 2018.

الزلازل المستحثة.. ظاهرة مختلفة

أما الزلازل المستحثة فهي تختلف عن الاهتزازات الميكانيكية الناتجة عن الإنشاءات والتفجيرات، لأنها زلازل حقيقية تحدث نتيجة تغير الضغوط والإجهادات داخل القشرة الأرضية، بما قد يؤدي إلى انزلاق صدع موجود أصلاً.

وترتبط هذه الظاهرة بشكل خاص ببعض الأنشطة المتعلقة باستخراج النفط والغاز، مثل حقن السوائل في آبار عميقة أو سحب السوائل والغازات، إضافة إلى بعض الأنشطة الأخرى التي يمكن أن تغير الظروف الجيولوجية.

فعندما تُحقن كميات كبيرة من السوائل في تكوينات عميقة، يمكن أن يؤدي ارتفاع الضغط إلى تقليل القوة الفعالة التي تثبت جانبي الصدع، ما يجعل الانزلاق أكثر سهولة إذا كان الصدع قريباً من حالة عدم الاستقرار.

ومن أبرز الأمثلة زلزال أوكلاهوما عام 2011، الذي بلغت قوته 5.7 درجة وتسبب في أضرار، وربطت دراسات علمية بينه وبين عمليات حقن السوائل في المنطقة.

كيف يكتشف العلماء مصدر الهزة؟

لا تستطيع أجهزة الرصد الزلزالي تحديد مصدر الاهتزاز فور تسجيله، إذ تظهر الهزة في البداية كحدث زلزالي، سواء كانت ناتجة عن زلزال طبيعي أو نشاط بشري.

ولهذا يعتمد العلماء على ما يعرف بـ«البصمة الزلزالية»، من خلال دراسة عدة عوامل، أبرزها شكل الموجات ونوعها، وعمق الحدث، وموقع المصدر وتوقيته.

وتعد موجات القص «S» والموجات الطولية «P» من الأدوات التي تساعد في تحديد طبيعة الحدث، كما يشكل عمق الهزة مؤشراً مهماً، إذ تكون الاهتزازات الناتجة عن الإنشاءات والتفجيرات عادةً قريبة من سطح الأرض.

كذلك، إذا تبيّن أن مصدر الهزة يقع داخل محجر أو بالقرب من منشأة صناعية، أو تزامن توقيتها مع تفجير معلن، فإن احتمال ارتباطها بنشاط بشري يصبح أكبر.

وماذا عن الزلازل المستحثة؟

يحتاج تصنيف الهزة على أنها «زلزال مستحث» إلى أدلة تربط النشاط الزلزالي بالتدخل البشري.

ومن المؤشرات التي يبحث عنها العلماء زيادة النشاط الزلزالي بعد بدء عمليات حقن السوائل، أو ظهور سلسلة من الهزات بالقرب من آبار الحقن ثم تحركها تدريجياً باتجاه صدع جيولوجي.

كما تتم مقارنة النشاط الزلزالي قبل النشاط الصناعي وبعده، لمعرفة ما إذا كان هناك تغير واضح في نمط الهزات يتزامن مع النشاط البشري.

لا يعني شعور السكان بهزة أرضية بالضرورة وقوع زلزال تكتوني، فقد تكون الحركة ناجمة عن أعمال إنشائية أو تفجيرات في المحاجر، بينما تمثل الزلازل المستحثة حالة مختلفة لأنها زلازل حقيقية يمكن أن ترتبط بتغير الضغوط داخل القشرة الأرضية نتيجة نشاط بشري.

وفي النهاية، لا تحدد شدة الهزة وحدها طبيعتها، بل تكشف «البصمة الزلزالية» حقيقتها من خلال تحليل شكل الموجات وعمقها وموقعها وتوقيتها، إضافة إلى دراسة النشاط البشري المحيط بمصدرها.

شاركها.